ظلمة الفجر مازالت لم تخلع سواد عباءتها عن ضياء النهار، النسمات المتسرّبة من خلف البنايات بدأت تداعبه، فانتشى، همسُ حركات خفيفة في ٱخر الشارع بدأت تدبّ فتنزع مخالب الصمت الرهيب، شَعُر بقرب وصوله للمسجد، لم تعد عصاه هي دليله الوحيد، أصبحت عيون أنامله تحصي له كلّ التفاصيل، حتى لا يضيع باب المسجد في ضبابية خطاه، وتنطّط عصاه، تلمّس الجدران والأبواب، ومن بين أبواب المحلات المغلقة قالت له أنامله: هذا محلّ الحاج مصطفى، صحت ذكريات قد تنساها الذاكرة، ولكنّ الروح أحصت لها كلّ شريد، كيف كان الحاج مصطفى يجلس على كرسيّه الخشبيّ، وزنده الأيمن يتّكئ على كرسيّ ٱخر، لضيف، أو لزبون هدّه الإعياء فيتّخذه متكأ. تراه عين أذن الحاج مصطفى قبل أن يتراءى للعين عيانا، وإذا تنحنح زاد في القدوم يقينا، طرقات عصاه على كلّ شيء زاحمها في الطريق تُنبّئ بقدومه، يقف مرحبا : يا مرحبا بصديقي، يد تمسك بيده، ويد تهيّئ له الكرسي للجلوس، يد الشيخ الضرير تعرف كلّ بضاعة المحلّ، من حبوب وأعشاب عطرية، وفواكه مجففة…وما لم تصل إليه اليدّ بتلمّسها لا يخطئه الأنف بشمّه، لكن الحاج مصطفى طوى الزمن عليه صفحته، فتنازع أبناؤه أمرهم، أغلق المحلّ بابه لحين يهدم الأبناء صرح خصومتهم ويبنون صلحا.
يده تخبره بباب المقهى، وأنفه حين يقتنص رائحة البن وأعقاب السجائر يؤكّد له خبر ما تلمسته الأنامل، بالأمس – ٱه من ذلك الأمس يحين يفرّ ويحمل بين طياته عطر جمال الحياة- كانت مكتبة، تزاحمت الكتب على رفوفها ، تنوعت ألوانها، أشكالها، مواضيعها، كانت الأيادي المتعطّشى لمعرفة تروي العقول تفتضّ سرّ ما حوته من علوم اختبأت تحت خربشات المداد، لكنّها اليوم من بعد زحمة الراكضين نحو سرّ الكلمة، تراها ازدحمت بعطن الروائح، واختلاط الأصوات المتشاكسة.
حين يحتضنه باب المسجد تتعثّر عصاه وخطاه في أحذية تناثرت بمدخله، فيكاد يلعن أصحابها، إلاّ أنّ هيبة المكان تمنعه، يقول في نفسه: أنحن في زمن كلّما لامس البشر مكانا شوّهوا جماله وقدوسيّته، أقدر عليّ أن أحيا في زمن لم أختره، أكلّما مطّ بي المسير ازداد المسلك قسوة وظلاما !!
قبل أن تهمّ يمينه بطرق الباب سمع صرير مصراعه يأذن له بالدخول، لكنّ أنامله تأبى أن تمرّ دون أن تكون له مرشدا، أخبرته أن زوجته على غير عادتها تقف على الباب في انتظاره، و أن وجهها بعدما دبّت أنامله تتلمّس ، وتتحسّس لها الشفتين أنبأته أنّها تكبت فرحة، وابتسامة تحاول تخفيها، إلاّ أنّ سرّها كشفته أنامل خبرتها سنينا، هي عادتها لا تظهر ما تستبطن دفعة واحدة. قال له:
ـ خير إن شاء الله، ما الذي يفرحك وتحاولين إخفاءه ؟
– اتصل بي ابننا هذا الصباح.
لم يقاطعها ولو بكلمة واحدة، فهو يعرف كيف يجعلها تسترسل في حديثها حين يلوذ بالصمت وهي تتحدّث.
ـ هو وأبناؤه بخير…
لم تستطع أن تخفي فرحتها حين انفجرت ضحكتها
ـ وأخيرا يا زوجي الحبيب، وأخيرا، وجد ابننا في المستشفى الذي يعمل فيها متبرعا بقرنية التي نبحث عنها منذ سنوات من أجل زراعتها لك، سترى نور الحياة، سترى النور، من بعدها لا حاجة لك لهذه العصا اللعينة.
انكمش فوق الأريكة هنيهة، تحسّست يده عصاه المتكئة بالقرب منه، اتّخذ طريقه لغرفة نومه بخطى فيها عجل. زوجته ذهلت من الصمت الذي لاذ به، كلّ ظنّها أنّه سيظهر فرحته لهاته اللحظة التي طال انتظارهما لها. جلس فوق سرير نومه، ذقنه اتّخذ من ظهر كفّيه القابضتين على عصاه متكأ، إن كان جسده حاصره المكان بجدرانه وعتمته فإنّ للروح وخيالها أجنحة محال أن يحاصرهما مكان، رمته ذاكرته للواء عشر سنين، حين طرق المرض عينيه، فطرق أبواب أطباء العيون، أجمعوا ألاّ خروج من عتمته إلاّ بزرع قرنية من متبرع، وكلّما مطّ به الزمان ازداد توغلا في طريق الظلام أميالا، تصالح مع ظلمته فأصبحت رفيقته في كلّ تفاصيل حياته، أعاد رسم الكون كما تشاء مخيّلته، يغيّر ألوان الشوارع، يزرع على أرصفتها أزهارا، وأشجارا، يرى الناس كما يريد أن يراهم، مستبشرين بالحياة، تعلو محياهم فرحة وسعادة، يشعر بأنّ للكلمات عطرها، وللطبيعة لغتها، وللموسيقى المتسرّبة من الكون ملمسها، يحزن حين تخبره أنامله عن شيء تغيّر، فيجنح لخياله يعيد ترتيب الزمن من جديد، يرسم الأشياء كما تشتهيها ذائقته، بألوان وإن تداخت، وتزاحمت، وتنافرت فهي تبذر في عمق روحه طمأنينة وسكونا.
تقطع عليه زوجته حبل شروده، وضعت الهاتف بيده، أخبرته أن ولده يودّ مكالمته، وقفت مستندة على باب الغرفة تسترق السمع لانشغالها لما رأته من تغيّر حال زوجها:
ـ …
-يا بني لا أودّ الخروج من عالم رسمته بيدي مخيلتي، وبنيت له من روحي أسوارا.
-…
– يا بني، لن أزرع تلك القرنية، دعني أرسم الحياة في داخلي كما أودّ أن أراها، لست بحاجة لنور يظهر لي الظلام.
ـ…
وضع الهاتف فوق السرير، صوت ابنه مازال يحاول خروجا، لكنّه لا يكاد يبين.

أضف تعليقاً