في تلك الليلة الدهماء أحسست بتزاحم المشاعر والآمال، كلها دفعة واحدة تتراقص بنغمات الأمل، وتدعو بصوت شجي يرسل إشارات السعادة، ما زال هول الصدمة يلقي بظلاله على الأفكار، أصوات تعلو وأخرى تهمس، كلها تجد طريقها إلى مسامعي، أرتبها كي لا أنسى تلك اللحظات الصعبة، صدى تلك الكلمات يتأرجح بين حيطان الخيانة مثل كرة معلقة بخيط في السقف وتدور في دوامة وتتشابك بحركتها بشكل جنوني، إلا أني ما زلت أفرزها وأفهمها:-
-سأزوجك الأسبوع القادم هذا ما قالته أمي.
-أريد أن استلم أول راتب لأشتري لأبي عربة معاقين.
– أريد لأخي أن يكمل تعليمه، سأساعده في دراسته.
– بدأت أصلي قبل يومين، نفذت ما طلب والداي وأرضيت ربي.
تدور على هذه الأصوات رحى الموت، وتحصد الكلمات والأمنيات وتحيلها حشرجة ودموعا صامتة، ووابل الحقد المتساقط من سقف ذلك المضيف، وزغاريد الشماتة من تلك الأفواه النتنة، لا أدري لم صمتت الدلة عن الكلام ولم تعترض تلك الجذوة في الموقد على هذا الفعل الجبان، ولاذ بعد صب القهوة بالصمت ذلك الفنجان.
كأن الزمن توقف عند نقطة معينة فقد فيها العربي مروءته وكرامته، وخاض غمار مغامرة من الوضاعة والخسة، كانت نار القرى عند العرب تدل على الضيافة فأصبحت تلك النار دليل خيانة ونذالة.
ما زلت لا أرى ما يحدث لكن الكلام وتلك الأوامر توضح كل شيء:
-اشبكوا أيديكم ضعوها على رؤوسكم، هيا سيروا.
المجرم الذي يحملني يكاد يطير فرحا كي يريق دماءهم، وقد تصل به الحقارة أن يتوضأ بها كما صرح بذلك، يصفهم بأقذر الكلمات، لقد جاء من أبعد نقطة في العالم لكي يجاهد، ترك كل قضايا الكون وجاء يسلب الأحلام من الطامحين والعشق من العاشقين، جاء ينبش تلك البذرة قبل أن تنبت جذورها، ويشتد عودها.
موقف رهيب عندما وصول ذلك القطار البشري إلى آخر محطاته، كان يتمنى عبور ذلك النهر، إلى الضفة الأخرى لعله يجد فيها نفحة سلام أوفرصة أمان، لم يكن يتوقع أن عرباته سوف تغرق بذلك النهر، وأن طريقه الوحيد هو جسر يربطه ليعبر إلى الخلود.
صوت لحن الموت الخارج من فوهة السلاح منتظم ومنسق، ولوحة الدم في ذلك المكان كأنها لوحة غرينيكا الباسكية، التي جسدت رعونة الحرب وفضاعتها، الفرق في هذه الملحمة أن هولاء الفتية قضوا في حفلة غدر وثأر أجوف، بحرب لا علاقة لهم بها.
كنت أنا ورفيقاتي المرصوصات جنبا إلى جنب مثلهم، يساند بعضنا بعضا، خرجن من ذلك المكان واحدة تلو الأخرى، وبقيت وحيدة لا أدري متى يحين دوري أو بالأحرى عاري الذي لا مفر منه، أعلم أنني بلا ضمير لكن الأمر ليس بيدي.
ذلك الشاب الأسمر هو آخر من تبقى بأيديهم، انطلقتُ مع صوتي المرعب، واخترقت دماغه الصغير، لأقتل كل تلك الأمنيات.

أضف تعليقاً