ربما يكون هناك خلط كبير في العنوان المقدّم حول القصة القصيرة , ولكن الحاصل في أغلب القصص المنشورة اعتمادُ كتابها اسلوبَ الرمزية المفرطة في أدواتهم الرئيسية في القصة , وكما نعلم أنّ اسلوبَ الرمزِ متعارفٌ عليه عند الكتاب والأدباء وهم يفهمون بعضهم بعضاً من خلال فهمهم لمثل تلك الرموز الإيحائية الموجودة في كتاباتهم … ولكنّ الإسهاب المفرط في استعمال أو استخدام هذه الأدوات جعل من بعض الكتابات ولا سيما القصة القصيرة والقصيرة جداً أشبه بالطلسم الذي يصعب فكّ رموزه إلاّ بعد جهد جهيد من المثقفين والمطلعين في هذا المجال أعني مجال الرمزية والطلسمية في كتابة القصة القصيرة .
وهذا الأمر يذكرني ببعض الشعراء في العصر العباسي حينما شاعت مسألة استخدام مفردات علم البديع ( علم الزخرفة اللفظية والمعنوية ) كالجناس والطباق والتورية والمقابلة وغيرها .
فافرط بعض الشعراء في استخدامه في قصائدهم فأخرجها هذا الاستخدام المفرط في زخرفة الشعر من صورة الشعر الفني المعبر ( الصورة الفنيّة) المُتَخيلة إلى شعر متكلف غابت عنه آثار الصنعة الفنية الجمالية وأصبح حرص الشاعر في إثبات شاعريته هو كثرة استخدامه لمفردات البديع بصورة بعيدة عن التلقائية مما يفقد القصيدة رونقها وحسها الفني الجمالي .
وأعود فأقول إنْ كان مسألة فهم الرمزية قريبة المنال من المثقفين والمطلعين على مثل هذا النوع من الأدب فما بالك فيمن هو بعيد عن كلّ هذه الأمور ويقرأ القصة من باب الاستزادة الثقافية …
الذي يحصل عنده هو:
1ـ الشعور بالملل والضيق والكآبة مما يقرأ لأنّه لا يفهم ما يقرأ ويحتاج إلى ترجمان .
2ـ شعوره أنّ القصة أخذت أو ملأت فراغاً لابُدّ منه في الصحيفة أو المجلة وهذا الشعور يولّد سلبيةً نحو تلك الصحيفة أو المجلة .
3ـ عدم تذوقه للفكر المراد نشره وإيصاله عبر القصة القصيرة وبالتالي لا يفهم شيئاً.
ربّما يُعتَرضُ على ما أقول بحجة أنّ الأدب هو حالة شعورية لها مراتب انفعالية يصلُ إليها المرء بحسب تذوقه الفني وثقافته الأدبية , فإذا كان على مستوى راق ٍ من الثقافة والإطلاع فإنّه ربما يصلُ إلى أعلى مراتب الإنفعال والتذوق الفني الشعوري من خلال قراءته للعمل الأدبي وتفاعله معه .
أقول ليس كلّ ما يكتب يُرادُ به وجه الخاصة من الناس واعني بوجه الخاصة الذوق الرفيع عند هؤلاء , فخير الآداب ما كان محاكياً لطبقات الشعب كآفة يفهمون ما يكتب الكاتب وما يريد ولو بنسب متفاوتة .
ربّما يحتج البعض أنّ الرمز يبعد العمل الأدبي عن التردي والإسفاف ولا يجعله منحطّاً بالشكل الذي يكون فيه بعيداً عن الصورة الفنية والسردية المثالية المطلوبة .
أقول إنّ هناك الكثير من الاعمال الأدبية لا سيما في مجال القصة القصيرة بعيدة عن الرمزية والطلسمية بالشكل المفهوم عند عامة القرّاء ولم يفقد هذه الأعمال خصوصيتها ورونقها الأدبي الأخّاذ , لاسيما على سبيل الفرض كتابات الأديب الراحل جبران خليل جبران هذا الرجل أعطى للرمزية أسلوباً شفافيّاً رائعاً في كتاباته وسنتناول إذا بقيت الحياة بعضاً من كتاباته القصصية التي استعمل فيها الرمز المفهوم بشكلٍ موح ٍ وقريب من جميع الأذواق الفنية الأدبية والمراتب الإنفعالية لعامة القرّاء … وأخيراً وليس آخراً ربما كان للرمزية حجج مقنعة في زمن اضطهاد الكلمة إذ كانت الكلمة الموحية والمعبرة بالشكل المفهوم تودي بصاحبها إلى حبل المشنقة وإذا ما كان محظوظاً فإنّه يقبع في السجن سنيناً طوال لا يُعلم من تهمته شيئاً سوى أنّه حرّض على الثورة والعصيان في زمن يراد بالناس أن يبققوا نائمين بعيدين عن الصحوة التي تدعوهم إليها الكلمات المعبرة من أقلام ثوار الكلمة الشريفة … ولكننا وبعد الخلاص علينا أن نبتعدَ عن الرمزية المفرطة التي كانت تغلف جميع الكتابات القصصية القصيرة ويتوجه الكاتب بشكل ٍ مباشر إلى جميع أطياف الذوق الأدبي والفكري لعامة الناس , ثمّ هناك سؤال وجوابه فيه من قال إن الأسلوب الواضح هو خالٍ من الرمزية المفهومة التي تشبه (التورية ) في علم البلاغة يفهم من خلالها القاريء ما يريده الكاتب من خلال الأسلوب الواضح الذي يحمل في طياته معانياً اخرى موحية ومعبرة بشكل ٍ أكثر من الرمزية الغامضة.
كتبت هذه السطور وأنا أتمنى أنْ نبتعدَ عن الرمزية في كتاباتنا (القصصية القصيرة والقصيرة جداً ) لأنها توصلنا إلى (الطلسم) الذي يُفقد هذه القصص الثمرة التي كتبت من أجلها وبالتالي يكون الكاتب بعيداً جداً عن مشاعر الناس وهمومهم وآلامهم .

أضف تعليقاً