أحبّ في البداية أن أتحدّث عن الرّحلة والمعنى الجمالي لظاهرة الاكتشاف، هل هي الانتقال إلى مكان مختلف؟
هل هي تنوّع في جغرافيا الأشياء والظواهر والأشخاص؟
في نظري ليس كذلك؛ لأنّ المعنى الحقيقي لهذا الانتقال هو اتصالك بعالم جديد، واكتشافك لمثيرات كثيرة لمشاعرك ومخيّلتك في عالم شكّلته عبقريّة عظيمة منذ بدء الخلق، لم تألفها رغم أنّ التراب هو التراب والإنسان هو الإنسان…المسألة مختلفة عند حضور الذات ومعايشتها للمختلف ومقابلتها لهذا الإنسان.
بالنسبة لي، عشت هذا الإحساس وبعمق، وقد شخّصته رحلتي إلى السّودان العظيم في مثل هذه الأيام من عام 2017، فعشت المختلف لحظة لحظة، طيلة خمسة أيام، اقتربت من المكان والمكوّن والإنسان، وأصبح كلّ شيء قريبا من الوجدان، قريبا من الذات، قريبا من الجسد، هذا المكوّن الإنساني والفيزيائي والبيولوجي.
الأسباب كثيرة، تلك التي تجعلك تسافر إلى أماكن أخرى، بالنسبة لي أعتبر السّودان رحلة واكتشافا، ﻷنّ الأماكن أو الأراضي التي تحدّث عنها ابن خلدون أو ابن بطوطة، لها وزنها التاريخي والبشري، عندما يتحدث هؤلاء عن الثقافة والتجارة والعلوم…هو توثيق لسيرة لتلك الأمّة؛ فقد تحدّ المؤرخون والعلماء والرّحالة عن السّودان وحضارته العريقة، شمالا وجنوبا، وما وصف به من طيبة أهله وكرمهم وشهامتهم و ذكائهم وعلومهم ومساهماتهم الحضارية القديمة والحديثة.
المحطّة الأولى كانت في دبي، ومنها إلى الخرطوم على متن طائرة أخرى؛ لم أصدق عينيّ أنّني في الخرطوم، هذا المكان الذي كنت أحلم به ذات طفولة عندما كنت أستمع إلى إذاعة “هنا لندن” خلال سنوات السبعينيات، أتتبع بشغف البرامج الثقافية التي يعدّها حسن الكرمي وعبد اللّطيف أطيمش، ولا يخلو حديثهم عن السّودان والرّسائل التي كانت تتهاطل من أدباء وشعراء، فقد رسخت بل أحببت هذه الأصوات وبسببها تعلّقت بالخرطوم الذي أراه في هذه اللّحظة، رأيت أشياء كثيرة جاثمة أمامي في شوراعه، وفي تفاصيل أمّ درمان، وعبق الماضي الراقي، في البجراوية وأهل النّوبة وضفاف النيل بشقّيه، لم تكن رحلة السّودان مجرّد لقاء، ينتهي بانتهاء الأوراق وتأسيس “الاتّحاد العربي لأندية السّرد والقصّة”، بقدر ما كانت المسألة حضورا عميقا، نقابل من خلالها إخوة تربطنا بهم محبّة قديمة، متأصّلة في الرّوح والأرض، والمكوّن المقدّس والموضوع؛ ما لفت انتباهي أنّني لم أشعر بالغربة، وكأنّني في الأرض التي ولدت فيها، ساعتها شعرت بالأنس والاطمئنان، فموضوع السّرد الذي جمعنا طيلة هذه الأيام، في الحقيقة فكرته قديمة، وشاءت الأقدار أن يصبح واقعا وأجد نفسي بين هؤلاء الأعزاء، وألتقي بإخوة جاؤوا من الكويت وسوريا وتونس ومصر والبحرين والسّعوديّة وتشاد واريتيريا، وغيرهم كثير ممن كنّا نتمنى لقاءهم هذه الأيام العظيمة في بلد عظيم.
تحيّة وتقدير لأهلنا في السّودان العظيم الذين استطاعوا أن يجمعوا هذا الشتات، وكلّ الحبّ لنادي القصّة السّوداني ومجلس الشّباب العربي والأفريقي ووزارة الثّقافة وكلّ من شارك وحضر وبادر في السرّ و العلن، وكان سببا في هذه (اللّمة) الفرحة، وجعلت الجميع يفكّر في هذه الرّحلة الميمونة، لنكتشف المعنى الحقيقي للأخوّة، والمعنى الحقيقي للإبداع والمعنى الحقيقي للجدّ والنّشاط؛ وتعلّمنا منهم كيف نحبّ الأدب والثّقافة، ونعبّر عنهما بحبّ أيضا، إنّه المعنى الحقيقي للنّضج. فقد علّمتنا هذه الرّحلة ما معنى الذّوق وكيف يمكنك أن ترتقي بذائقتك، إنّه جمال الإنسان النّموذج، والعنصر الطّبيعي في هذا المكان وهو محفوف بحبّات ثمينة في عمق الأرض وعمق الماء، كلّ الأشياء تبدو لك إبداعا، اليّد فيه ثمينة ولمساتها وحفرياتها لا تقدّر بثمن، إنّه نموذج الإنسان المحبّ والمتفاني، النموذج الذي يحسن صناعة أعالمه باهتمام واحترام، إنّك تدرك معنى التّحدي في هذا المكان ولا تثنيك المعوّقات؛ لأنّ الطّموح وحبّ البقاء والتميّز والإضافة النّافعة والممتعة أقوى عند هؤلاء ماضيا وحاضرا.
- الرّحلة والمعنى الجمالي لظاهرة الاكتشاف
- التعليقات