كان يتنقل بين المصطافين بوجهه الأسمر يوزع الابتسامة، وينادي بأعلى صوته مادحا بضاعته الّتي كان يحملها في صندوق زجاجي امعانا منه في اظهار نظافتها، وحماية لها من الغبار المتطاير ، وانفاس البشر.. هو يعرف أن مايحمله يخصّ الصّغار دون غيرهم، ويعرف أن مناعتهم لا تتحمّل هجوما مكروبيا، فهم صغار لم تكتمل مناعتهم، ولم يكسبوا بعد تلك الصّلابة، والقساوة التي يتميّز بها من هم أكبر سنا وأضخم جثة .
يتعالى صوته بلحن مغري؛ يحاول به أن يشدّ انتباه الصّغار علّ يحصل من ورائهم على رزق ، منه يحمل الى افراد عائلته الصغيرة ما به يسدّ حاجتهم.
كان هذا دأبه مذ ان وطئت قدماه سواحل البلاد، وألفت رمال شواطئها كلما حلّ صيف، فيمتع ناظره بتلك الأجساد المتنعّمة، و يصنع له صداقات كثيرا ما تكون عابرة .. علّ احداها تثمر امدا، فينال من ورائها فرصة تنقله نقلة أخرى ، فقد هاجر هنا املا في ان يحسن وضعه، وقد اغراه بهرج الحياة في الشّمال، والذي كان يشاهده في بعض البرامج التلفزية بين الفينة والفينة .
لم يكن يعلم أن الصّراع هنا لطلب الرزق قد يكون أقسى وأشد عليه وقعا، وهو الّذي لايعرف أحدا إليه يركن ..اذا مسّه عجز، أو منعه عائق أن يلتقط له ولعياله رزقا.
مرت الأيّام تباعا، وصار الحال روتينا.. بين صيف أوسع حال، وشتاء أضيق لا يكاد فيه أن يحصّل مصروف يومه، وإن تمكّن فبشقّ النّفس، ومن أقذر العمل.. حتّى ملّ الحياةّ، وندم على تركه قريته النائية، وخلانه الّذين كان يسامر، فينسى همّ يومه، ويزيح بعض كدرها بما يتناولونه من حكايات، ويتبادلون من دعابة.. عكس أهل الحضر الذين جاورهم.. كلّ يمرّ كالآلة المبرمجة.. لا تكاد تسمع له حسا إلّا من تمتمة سلام لا تكاد تفقه.. غير مبال بما حوله، أو صخب فتية، وقد بدت أشكالهم غريبة عن قيم المجتمع .
كره وضعه الجديد ، ولسعه سوط الحنين، فادمى منه قلبا.. لكن كوّم اللّحم التي لها راع زادته أرقا ، وأحسّ انّه إن عاد.. عنها تخلى، ومستقبلها رهن، فكان بين نارين .. نار الحنين إلى قريته، ونار المسؤولية التي على عاتقه، وصار تجاذبه هذا له علة لايدري لها حلا ، حتّى كان ذلك اليوم الذي سمع فيه عن الرّحيل إلى الجنّة .
جمع وحيد بعض مابه يحقق حلم السفر، فترك بعضه لزوجته موصيا إياها بالصغار خيرا، وواعدها برزق آتيها من وراء البحر.. حاولت أن تثنيه.. لكنّها لم تفلح ، فاوصاف الجنّة التي وعد .. كان جذبها اقوى، وفي ليلة كثر صخبها.. خرج مسرعا الى الشاطئ أين كان منتظرا ليمتطي قاربا متهالكا شق به وشلة من الحالمين مثله عتمة اللّيل، وصخب الموج الهادر لهم رفيقا، فأتخذ له مكانا قصياوراح يتابع الاضواء ، وهي تتلاشى شيئا فشيئا ، إلى أن حالت بينه وبينها الأمواج، فاسترخى يستعيد صور صغاره، ووجه زوجته، وهي له مودعة، وحلمه في العودة إليهم قريبا محملا بما به ينقلهم نقلة أخرى .
في الصباح الموالي.. كان على عتبة البيت قد وضع صندوقا به وحيد مسجى، وضابط الحماية، ورجال الأمن حوله صفا.. تقدم كبيرهم إلى الزوجة المرعوبة، وقال : لقد مات غرقا .

أضف تعليقاً