..ولأنه يؤمن أن الحُرّ يفهم بالغمزة فقط، وباعتباره زعيما عظيما لايليق بمقامه الجليل سوى أن يحكم شعبا من الأحرار، قرر منذ بداية مطلع عهده الميمون أن ينجز ثورة في خطب الزعماء المنمطة والتي ظلت تجتر نفسها المتقادمة دهرا طويلا، وارتأى أن تكون خطبه خروجا عن المألوف،وتجديدا ثوريا لاسابق له يُظهر فرادة الزعيم وتميزه واستثنائيته عن قاعدة الزعماء الآخرين المتماثلين وإن اختلفت سحناتهم، كما يُظهر نباهة الشعب وقدرته الإستثنائية على فهم معنى حركات الرموش وخطوط الجبين ونظرات العيون دون حاجة للكلام.! لهذا صار مألوفا أن يلقي الزعيم خطابا دون خطبة، خطابا صامتا يكتفي أثناءه بالجلوس على الكرسي دون أن ينطق حرفا واحدا، فيسارع الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع والشفوي إلى إنطاق الخطاب الصامت واستخراج دُرر دلالاته العميقة والإحاطة بأبعاده الواسعة، فالصمت حكمة.! وتارة يكتفي بالنحنحة أثناء المدة الزمنية المخصصة للخطاب، فيتدافع الإعلام كدأبه لتأويل النحنحة في علاقتها بملامح الرئيس وشكل تسريحة شعره ووضعية جلوسه وألوان هندامه وحركات يده، ويتعالى الحديث عن ماقبل النحنحة ومابعدها.! وتارة أخرى يقوم ببضع إشارات من يده كما لو كان يكلم نفسه في ضيق ونفاذ صبر، فيشرع الإعلام في الحديث عن الهَمّ الثقيل الذي يحمله الزعيم وحده، هَمّ الملايين والملايين من البشر العاجزين حتى عن حمل همومهم الخاصة بالأحرى هَمّ شعب بقضه وقضيضه، هَمٌّ سترفض الجبال حمله لو سُئِلتْ، لكنه أبى إلا أن يحمله بتفان وإخلاص، فيتعالى الدعاء للزعيم من كل فم ويتحول البلد إلى بساط من أكف الضراعة.! أما إذا حدث وجلس الزعيم إلى كرسيه ليلقي خطبة حروفها من نظرات شزراء وملامح متجهمة وسحنة غاضبة مع قبضة مشدودة، فإن الصمت المتوتر المتوجس يعم البلد ويتعالى اللطيف على كل الألسن كمظلة في وجه وقْعِ القضاء والقدر اللذين لا راد لهما، ويترقب الجميع أين ستنزل الضربة القادمة وبمن ستطوح.! لهذا كان يتمنى الكل أن لاتكون خطبة الزعيم طلعةً متجهمة وجبينا مقطبا. أما أن تكون خطبته عبارة عن قهقهة طويلة صاخبة لاتنقطع إلا ليرشف جرعة ماء طلية المدة الزمنية للخطاب، فكانت ضربا من الأمنيات المستحيلة، لهذا لم يصدق الشعب عينيه حين رآى الزعيم يندفع في قهقهة هي زعيمة القهقهات، ولم يتمالك نفسه فانفجرت القهقهات من كل حدب وصوب، وصار البلد كله يقهقه وينتظر مابعد القهقهة الذي لن يكون كما قبلها، واستمرت الموجات الإرتدادية لرجع صدى قهقهة الزعيم أسابيع، إذ لم تتوقف قنوات الإعلام بمختلف تلاوينها عن إعادة بث الخطاب/ القهقهة، كما أخذَ مكان المقدمة الموسيقية لعدد من البرامج المتنوعة وحتى في الوصلات الإشهارية والإعلانات المختلفة، بل وصار إحدى الرنات المفضلة بين رنات الهواتف، وأبعد من هذا وذاك هناك من تحدث عن ضرورة بَثه كلما عزف النشيد الوطني كدليل ملموس على عهد جديد من الرفاه والرخاء والطمأنينة والغبطة سيدخله البلد على صهوة قهقهة الزعيم المظفرة.! لكني، ولسوء حظي، ظللتُ محتجزا في غرفتي لاأستطيع مغادرتها، بسبب الدموع التي تسيل لاإراديا من عيني في أوقات البرد، والوقت كان فصل شتاء، بينما الدمعة أضحت متهمة إلى أن تثبت براءتها، وبقيت عالقا بين الدمعة اللاإرادية في عيني وأصداء القهقهة التي لاتتوقف.!
- الزعيم
- التعليقات