كنت مديرة روضة أطفال عندما جاءتني روزالي بطفل في الثالثة من العمر وأنا أملأ ملفه الصحي عرفت أنه مصاب بضيق التنفس المزمن آسثم وبالحساسية الحادة لكل البروتينات الحيوانية ،لدرجة أنه قد يموت لوشم مجرد شم رائحة البيض أو السمك ، كانت روزالي بيضاء كالثلج الكندي وبعينين زرقوتين صافيتين كسماء يوم صيفي قائظ ،أما ماثيو *فكان بملامح مختلفة تماما عن أمه ففهمت أنه ثمرة زواج مختلط ; لكن هو كان يحمل لقب أمه يعني من الواضح أن أباه مجهول أو رفض الاعتراف به.
كانت روزآلي مستعدة لسرد قصتها دون سؤال فسرد الهموم يخفف وطأتها و ثقلها عنا .
قالت روزآلي ; كنت الإبنة الوحيدة المدللة لرجل ميليونير ومع ذلك كنت أحب تخصصي الذي تخرجت به وهو السياحة والفنون فوظّفت متعهدة حفلات حيث أصبحت ألتقي بالعديد من الفنانين من كل بقاع العالم ،إلى أن تعرفت على * محمد *شاب مغربي مطرب في فرقة شعبية مغربية ،توطدت علاقتنا وطلبني للزواج وهنا اسطدمت برفض عائلتي خصوصا أبي ، الذي هددني بحرمامني من الميراث ووهب كل ثروته لإحدى الجمعيات الخيرية ، لكني لم أكن يوما أقدس المال وتلك الحياة الأروستقراطية المبرمجة والباردة ، فلحقت
بمحمد إلى المغرب وتزوجته هناك ،عشت معه سنتين كاملتين عرفت فيهما الفقر بأقصى حد لقسوته أصبحت مسلمة مجلببة بالأسود ،عند الخروج أرتدي جلابة سوداء دون أن أنزع الفستان الذي كنت أرتديه ،عشت في بيت ملئ بالسلفات والأطفال ….. وأكثرما قرفت منه أكل رأس الخروف و وقوائمه
إذا كنا نحن نقرف من أكل الصيني للضفاضع و الثعابين ولعاب الطيور المجفف …..،فهناك من يقرف منا لأكلنا رأس الماشية* ،وكم كان يضايقني قدوم الضيوف دون موعد أو اذن وكنت أرى أهل الدار وهم يضحكون ويرحبون بالضيوف ويزفرون ويلعنونهم في المطبخ ….ولن أحدثك عن فزعي من أصوات الآدان وقت الفجر إذ تتداخل صرخات المؤدنين فأقوم فزعة متسائلة هل نفخ في الصور ؟؟
ثم يزول الغمام عن ذاكرتي وأستوعب أنني بفاس ولست بأوتاوى…..
المهم : لم أتمكن من مواصلة العيش بالمغرب فبمجرد حصولي على وثائق جمع الشمل العائلي باغيناجحملت
زوجي وعدت لأتاوا* العاصمة الكندية * ، عندها فوجئت بأن العائلة لم تزل غاضبة علي رفضوا استقبالي بل طردوني شر طرد ة،وما زاد من حنقهم علي هو ارتدائي للجلباب و الخمار إذ قال لي أبي : ذهبتِ كزنبقة وعدتِ لي مكفنة بالأسود و سنتي زواج ولم تنجبي حتى مجرد طفل من ذلك العربي الأحمق آكل الرؤوس و القوائم ….، تشردت وزوجي بين الشقق المفروشة ومراكز الإيواء للمشردين … لكن جدتي رأفت بحالي فأعطتني مفتاح شقتها وسيارتها إذ ما عادت بحاجة لهما بما أنها تقيم في دار للمسنين * يفضل الكنديون والأمركان الإقامة في دور العجزة للإقامة صداقات وعلاقات مع أناس من سنهم ، ظننت أن الحياة قد ابتسمت لي أخيرا ،لكن عادت الهموم ببحثنا عن عمل فوزجي كان لا يجيد الفرنسية ولا الإنجليزة ،وأنا كلما تقدمت لمقابلة وظيفة أرفض لأجل حجابي ، لأن مجال تخصصي هو السياحة والفنون وظيفة تتطلب الأناقة والتجمل … ،عندما يئست قررت أن أنزع الحجاب وعدت كما كنت روزالي الأنيقة وحصلت بكل يسر على وظيفة سكريتيرة بفندق …
ولم تطل المدة وتوفيت جدتي المسكينة وعاد والدي للضغط علي للطلاق من زوجي أو ترك الشقة والسيارة اللتان أصبحتا ملكه بموت أمه … لكني طبعا رفضت ليس فقط لحبي لزوجي ووفائي له ،وإنما أيضا كرها في المساومات المادية … وعدت للتشتت من جديد في الشقق المفروشة ….
في أحد الأيام أرسل أبي في طلبي لكني رفضت الذهاب ظنا مني أنه سيساومني مجددا، لكنه أعاد في طلبي قائلا أن أمي تحتضر ، طلبت سيارة أجرة وأنطلقت لبيتنا الكائن بجزيرة خارج المدينة ، طول الطريق كنت أبكي وأدعوا أن أراها قبل الموت وبدأت أرسم إشارة الصليب لاشعوريا ثم تذكرت أني أصبحت مسلمة … يالا الحيرة من سأدعوا الله أم الرب يسوع ؟؟
ثم دعوت قوة ميثافيزيقية لمساعدتي إذ لم أعد أهتم بتسميتها فهذه القوة العظيمة روح و الأرواح لا تحتج إسما …
وصلت أمام فلتنا التوأم * بنايات من منزلين متلاسقين متشابهين تماما مع العلم أن المنازل الفخمة هنا لا تزيد عن طابقين وقبو *
دفعت أجر السائق ببطاقة اتمان إذ لم تكن معي سيولة ودخلت مهرولة إصطدمت بالجنائني المعتوه * سيمون
وسيمون شاب يتيم معتوه أمه امرأة فليبينية كانت خادمة غير شرعية لدى عائلتي أنجبته من عشيق مجهول ثم توفيت كفله والدي والآن هو يعيش في القبو ومكلف بصيانة الحديقة … ما أغباني لمَ أطيل الحديث عنه ؟؟
آه تذكرت لأني سألته عن حالة أمي فلم أفهم شيئا من تأتآته فأجابتني الخادمة ناعومي أن أمي بنيويورك مند أسبوع لحضور حفل لعرض الأزياء وقد اتصلت صباحا وهي بخير فهمت المؤامرة لكن إضطررت للدخول لأن التاكسي رحل و هاتفي الخلوي أفلست بطاريته ، إستقبلني أبي منشرحا على غير عادته قائلا أنه سعيد بتخلصي من تلك الخيمة التعيسة اللتي كانت تلفني وسيكون أسعد لو تخلصت من آكل الرؤوس ، ولكن أمام موقفي الذي لم يتزحزح قال لي:
على الأقل أنجبي ولدا لمَ لم تفعلي أم تراه عاجز عن الإنجاب كعجزه عن العمل؟؟
قلت : يا أبي قد زرنا أخصائيين عديدين وأكدوا أنه سليم وأنا أيضا ،لكن بعض الأزواج يتعدر أن ينجبوا معا …
تهلل وجه أبي وقال ; هاهي السماء أيضا لم تبارك هذا الزواج المشؤوم ،فلستما متوافقين لا جسديا ولا ثقافيا ولا عرقيا ولا اجتماعيا….
قاطعته : لكننا متوافقين روحيا وهذا الأهم .
قال : كلمتي الأخيرة إما أن تنجبان ولدا ولو بالتلقيح الاصطناعي، وإذا كان غير ممكن أتركيه وارتبطي بغيره وإلا … وأعطاني ورقة ، كان تنازلا منه عن كل ثروته من الفلا والجزيرة والعمارات والسيارات والطائرة و….. لمنظمة رعاية الأطفال المصابين بالسرطان … ربما بسبب وفاة أخي بالسرطان وهو في السادسة من عمره…. تركت الورقة واتجهت للهاتف طلبت سيارة أجرة واتجهت صوب الباب …قال أبي ; لن أمنحك أكثر من ستة أشهر حتى يصبح هذا التنازل موثقا وللأبد ….
وصلت للبيت سعيدة فخورة بانتصاري على المادة فلن أرضخ لابتزاز أبي أبدا … سردت على زوجي ماحدث فتجهم وجهه وقال :كنت أظن أن معاناتنا مؤقتة ستزول بموت أبيك وحصولك على نصيبك من الإرث ، لكن يبدوا أن لا طائل من صبري ربما الأحسن لنا أن نفترق ،سأعود للمغرب وأعود لالتقاط خبزي مع الفرقة …
صدمت صدمة لم أصدمها في حياتي … أدركت أنه يريد المال لا أنا صفقت الباب وخرجت لاأدري إلى أين …
فكرت وفكرت … أعلم أن من يسمع قصتي سيكره ضعفي وخنوعي إذ كان يجب أن أتركه فورا لكنني لم أستطع لأني كنت أحبه من جهة ولم أكن أتقبل أن أهزم حتى أمام أبي ، قضيت الليلة في بيتنا هناك وعدت إلى زوجي ألاطفه و أطمئنه بأن أمي لن تسمح له بارتكاب حماقة كهذه … ثم حتى و إن وهب فلن يحرم أمي من نصيبها وهي لن تتخلى عنا، صراحة كنت أكذب فأمي تعشق المال والملابس الغالية والعطور ومراكز لبرونزاج وعيادات التجميل بقدر ماتكره آكل الرؤوس زوجي فبابها مغلق لاداعي لطرقه ….
مضت أسابيع كئيبة …ثم أصبت بوعكة واتجهت للطبيب فطلب مني تحليلا … فإذ ماشككت به يؤكد ،أنا حامل أجل حامل في عشرين يوما … طار زوجي فرحا أكيد لأن الثروة لن تطير ، وطار أبي فرحا بالوريث وجائني بشرط جديد الإسسسسسسم ، لن تسميه إسما عربيا فإن كان ولدا سأسميه ماثيو وإن كانت بنتا سميتها بردجيت
آآآآآه من أبي !!! ماتيو وفهمت إسم كاثوليكي نكاية في الإسلام وماذا عن بردجيت ؟؟
إنها غراميات أبي إذ كان يعشق الممثلة بريدجيت باردوا وكان يريد تسميتي بريدجيت ولكن أمي رفضت وسمتني روزآلي على إسم والدتها …
أنجبت طفلي وأسميته ماثيو كما رغب أبي ،ولم يعارض زوجي لأن الما ل يسمح بمرور كل شيء ..وانتهى غضب أبي و تصادق مع زوجي على مضض وأصبح كالمجنون لا يحب أن يقترب أحدمن الطفل خصوصا الخدم ، ماعدا المربية الخاصة ، وفي أحد الأيام كان ماتيو في عربته وأنا أقرأ كتابا وأبي وأمي يتمرجحان… إذ تقدم الجنائني سيمون وبدأ يداعب الطفل بحنان عجيب ،هجم عليه أبي كالثمل صارخا:
لو لمسته مرة أخرى سأقطع يدك … ثم التفت إلي وقال أليس هذا هو الحكم الشرعي للسارق في دينك الجديد ؟؟…
قلت : لكنه لن يسرقه هو يريد فقط أن يداعبه
لم يأبه بنا سيمون وأخد الطفل وبدأ يحضنه شخصت عينايا … أما أبي فصرخ ;
أرأيت الوقح ؟؟ أتركه و أغرب من هنا لقد طفح الكيل سأرميك في الشارع يا ابن بيانكا …لكن سيمون ازداد تشبثا بالود وصرخ : إبني ،إإإإإإإإإبني ، القبببببو القببببو ….
أخرج أبي مسدسه وصوّبه نحوه : أتركه وإلا قتلتك .
زاد جنون سيمون وواصل صراخه ; لن أتتتتتركه … إبببببني … القققققبو …
وضع أبي أصبعه على الزناد ;تبا لك ياملعون….
فصرخت : لاااااا ، لا تقتله إنه إبنه إبنه أجل إبنه … أنت السبب أنت السبب …
تأتأ أبي : إببببببنه ؟؟ يالا الهول
قلت : لماذا لأنه لا يجيد النطق ؟؟
ظننت أني باختياري له تدفن جريمتي للأبد ،وأضرب ثلاث عصافرير بحجر واحد ، أحقق غريزة الأمومة ، أحصل على الثروة ،وأحتفظ بالرجل الذي أحب…لكنه نطق أجل مشاعر الأبوة أنطقته ….
قال : وهل المشكل في العته ؟؟ : يالا الهول …: يالا الهول… أنجبتي من أخيك يا روزآلي من أخيكِ يا روزآلي وخر على الأرض .

أضف تعليقاً