كان الفصل شتاءا وفي إحدى لياليه الباردة، آوت إلى فراشها وحيدة، بعد أن أغلقت باب الغرفة بإحكام، ثم أطفئت النور، وتركت بجانبها سراج بسيط له ضوء خافت لا يكاد يضيء ما حوله، وضعت رأسها على الوسادة وجذبت الغطاء ليغطي جسمها النحيل.
بدأ التفكير يسري في ذهنها، فأعادها على عمر الزهور والبراءة ففتحت فمها على شبه ابتسامة، والتي غادرتها منذ خمس وعشرون سنة خلت على زواجها، أعادت الذكريات، وتداخلت فيما بينها، فغلبتها التعيسة والنكدة على السعيدة والمسرة، فهي تعيش غصة داخلية نغصت عليها حياتها ودفنت أمالها التي بنتها لنفسها منذ ذلك الزمن… لقد تجرعت كأس المرارة والأذى والذل من زواجها رغم أنه لم يدم طويلا والذي كان نتاجه بنت بهية الطلعة في حقل من الشقاوة والمعاناة.
كان زواجها في ريعان شبابها ولكنها لم تذق له طعما ولا رائحة… فكانت نهايته الافتراق فزادت الآلام والحسرة التي تكابدها.
لقد سلمت لها هذه الغرفة على أنها مؤقتة، إلا أن الانتظار طال وأصبح الملل واليأس سيد الموقف، استنتجت هذا الكابوس على الجميع من تصرفاتهم إشارة أو تلمحا ولبعضهم تصريحا.
أما الكبيران فهمومهما وانكسارهما يخفيانه في مداعبة الطفلة ومن معها؟
كبرت الطفلة وأصبحت تدرك ما حولها وتعيشه واقعا، ترى أمها كثيرة العزلة والانطواء والآخرين لا يعيرونها أدنى إهتمام، بل يعيرونها في ذلك ويطلقوا عليها عبارات وألفاظ تزيد من حجم المعاناة – لأنهم لا يفهموها- عدا الوالدين فهما دائما في صف المواساة والمساندة لها.
بدأت الطفلة تحدث أمها ببراءتها وسذاجتها وتفكيرها الطفولي فتسرق منها بعض الابتسامات، وترد عليها وهي تمسح على شعرها المتدلي على رقبتها مازلتي صغيرة، ستعرفين كل شيء حينما تكبرين؟…
سالت الدموع على وجنتيها ثم سقطت على الوسادة، أخذت قطعة قماش ومسحت بها وجهها والليل قد انتصف، استسلمت للنوم لتخلف وراءها بعض ما كانت تفكر فيه.
استيقظت على صغيرتها وهي تهم بالخروج وتتهيأ للمدرسة، ونادت ماما. مامالقد حان وقت الذهاب هل أعددت ما أتناوله؟ قالت لها اذهبي إلى المطبخ وخذي قطور صباحك معك ولا تتأخري، خرجت مسرعة نحو باب المنزل، لأن صديقاتها يقفن أمامه في انتظارها ثم اتجهن صوب مدرستهن مسرعات، فشعرت الطفلة ببعض الآلام في رأسها ولكنها واصلت طريقها إلى المدرسة، فاشتدت عليها الآلام وزادت حرارة جسمها فسمح لها بالعودة على المنزل، طرقت الباب بصعوبة ولم تستطع الوقوف فسقطت مغشي عليها، أخذت مباشرة إلى الإستعجالات، ثمنزل الأمر على الأم كالصاعقة، وهي تناشد الجمع ما لها صغيرتي كيف حالها، وهم يطمئنونها إن حالتها ليست خطيرة؟ فهي مجرد ارتفاع في درجة حرارة جسمها وبعد الإسعافات الأولية ستعود… ثم أعادت أدراجها إلى غرفتها وفي طريق عودتها تذكرت حلمها الكابوس الذي رأته ليلتها، فرفعت صوتها بعض الشيء، لأنها لم يكن يسمع لها صوت بل حتى الهمس نادرا ما يحدث، فكلامها يتم بالعيون وبعض الحركات الفوضوية غير المنظمة أو المنضبطة، أين صغيرتي أين صغيرتي … ودخلت الغرفة وغلقت الباب خلفها…
جلست على سريرها الخشبي، ووجهها متجها ناحية الباب تنتظر طرقها كما اعتادت عليه فهي تعرفه وتميزه عن طرق الآخرين، ثم سرحت في بحر أفكارها الحزينة والمؤلمة التي لا تنساها…فتنبهت على طرقات غير معتادة فارتفع خفقان فلبها المكسور، اصطنعت الهدوء رغم أنه أصل فيها ولكن الحال لا يقتضي ذلك، قامت مسرعة خائفة مترقبة فتحت الباب، إنه والدها يريد أن يرفع عنها بعض المعاناة ليواسيها كعادته فنظرت إليه وبادرته بالتحية وهي تسمع كلامه وحكمه في الظروف العصيبة، بعد لحظات اقتربت منها والدتها فطمأنتها على صغيرتها فالأمر عادي ستتناول دوائها وتخف حرارتها وتتعافى، وأدخلتها على سريرها المحاذي لأمها ووضعتها فيه والطفلة ترفع عيناها لأمها لتطمئنها هي كذلك… لأنها تشعر بمعاناة أمها.
تناولت الأم كوب ماء وجلست بجانب صغيرتها تحنو عليها وتواسي نفسها في آن واحد فباتت ليلتها تراقبها بعد أن سكن كل شيء في الوجود، فلا تكاد تسمع أي صوت أو حركة خاصة في هذا الفصل وأنين الطفلة يبعث بالقلق لدى الأم وتقلبها في فراشها إلى أن تحول إلى صراخ، هرع إليها والديها ليستطلعا أمر الصغيرة فوجداها في حالة تختلف عن المرة السابقة لقد احمر لون بشرتها وارتفعت حرارة جسمها، خف الصراخ ليتحول إلى نفس بسيط، فأخذوها على عجل على المستشفى والقلق بادي على الجميع، وفي الطريق زفرت زفرة خفيفة ثم توقفت أنفاسها فعادوا أدراجهم إلى البيت لقد نامت نومتها الأخيرة.
أما الأم تترقب بحرقة، وتروح وتغدوا في غرفتها رغم ضيقها، وبإحساس الأم وعاطفتها الجياشة انتابها شعور غريب بأن وحيدتها لن تعود كما كانت وهي على هذه الحال من الاضطراب والقلق وباب غرفتها لم يغلق كعادتها لشدة تألمها وحسرتها على ابنتها، أدارت وجهها ناحية الباب فشاهدت والدها يتسمر أمامها لا يحرك ساكنا وعيناه مغروفتان بالدموع رغم أنها لم تكن ترفع رأسها لأمها أو أبوها إلا عند الحاجة فاتجهت إلى فراش صغيرتها ثم جلست والدموع تسيل لتبلل منديلها، ثم تأخذ نفسا، والحزن قد ملأ المكان لقد غادرتهم إلى الأبد، أما الأم فتكالبت عليها الأحزان والآلام والمآسي.
مرت الأيام العصيبة لفراق وحيدتها، وسكنت وخفت بعض روعاتها ولوعتها عليها ولكنها لم تمحى من ذاكرتها وفي قرارة نفسها، إنها لا تنسى ما دام فيها عرق ينبض حتى تجاورها تحت الثرى.
أما الوالدان فهما يحملان بذور الأمل والحياة لابنتهما لتعيد الكرة من جديد..
هدأ الجميع وعاد الجو إلى طبيعته المعتادة بين سمر وأمل وأنين فالأمل يراود أبويها ان تخرج من قوقعتها وعزلتها لتستعيد حياتها من جديد، لأن قطار بناء الأسرة ما زال في مقدورها ركوبه.
بعد غياب وحيدتها انعزلت أكثر في غرفتها وخروجها منها أصبح يعد على الأصابع، وحديثها مع والديها يكاد ينعدم فما بالك ببقية أفراد الأسرة، ونال منها التفكير والأنين -حصة الأسد الجائع من الأدغال- لقد جالت بخاطرها عدة أفكار، وذهنها سارح معها، كيف تستعيد حياتها من جديد.
أما الوالدين لقد سرا كثيرا واستبشرا خيرا، لأن ابنتهم وهي على هذه الحال من آلام وحزن، تحاول أن تستجمع أفكارها كلها لبداية حياة أخرى، بعد أن تقدم لها رجلا طلبا للزواج، فردت بالإجاب، لقد فتح لها الباب مرة أخرى هذا ما سر به والديها اللذان يحملان الأمل المفقود منذ زمن.
دخلت إلى بيتها عروسا وهي تتناسى كل أحزانها، وتظهر الفرح والابتسامة لتبني الأمل المفقود، فراحت تتوقع حلمها وخيالها الواسع بأبناء كثر -لأن زوجها أنجب عدة أبناء قبل أن تموت زوجته الأولى- يملأ لها حياتها مسرات وأفراح… رغم أن زوجها يقارب سن والدها، فما عساها ان تفعل وهي في هذه الحال – الحياة قسمة ونصيب-.
بعد أشهر قليلة بدأت حياة الأمل المفقود تنقلب وتتغير المعاملة من أبناء زوجها، فبعد أن كان الترحيب والاهتمام، جعلت شعورا يدب في نفسها محاولتها مجارات بعض الخصال التي عرفت بها أمهم، أصبح عدم الاهتمام واللامبالاة بها، حتى وصل بهم الأمر إلى تعييرها بألفاظ لا تليق، وفي بعض الأحيان خدش كرامتها، وهي صابرة ومحتسبة أمرها إلى الله، خاصة وأن زوجها لا توجد بينهما ما يعكر صفوة علاقتهما الزوجية رغم قصر مدة الزواج لأن أبناء زوجها قاموا بكل هذه الأفعال والأقوال لحاجة في نفسهم قضوها.
ما هي إلا أيام قلائل حتى عادت أدراجها على بيت أبيها ورجعت على غرفتها الأولى
- الزواج الميت
- التعليقات