..ظننتُ أني وجدتُ، اخيرا، حلا مؤقتا، بانتظار انتهاء مدة الحجر الصحي التي طالت ابعد مما يطاق، ويمكن ان تطول اكثر؛ بفضل السلسلة الذهبية البسيطة التي استلمتها من يد زوجتي، بعد ان فكتها من جيدها، ومنحتني إياها قائلة بود وحنان:
– لا أريد ان ارى، مرة اخرى، في عينيك هذا اليأس القاتل.!
حقا، صارت ظلال الكآبة تمتد في عيني، وراء جدار اليأس الذي يصطدم به بصري اينما وليته. وتصحرتْ يدي من أي حيلة تماما، وماعادت قادرة ان تبسط كَفّا من ظل استريح فيه ولو قليلا إتقاء قيض احمل شمسه المستعرة في جيبي.! يدي التي طالما اعتززت بها، ورفعتها راية نصر، لأنها تغذي شعور الكرامة في داخلي، فأفضل لقيمة حرة من قصعة عرق الجبين على خبزة كاملة من ذل، ولاأرضى ان أتسول أحدا، كما لا أقبل البتة أن أُمسَخَ ذيلا لأي كان.! لكن رياح الجائحة العاتية هبت عكس مايشتهي شراع كرامتي، وسدتْ امامي كل مسالك العمل اليومي، وحكمتْ علي بالانحباس في دواري مستسلما الى عطالة جردتني من أي دخل أواجه به الحال الطارئ، بعد ان صرفتُ آخر درهم مما استطعت ادخاره مع انتهاء الشهر الاول من الحجر.! اصطدمت بالجدار تماما، حين رفض صاحب الحانوت أي تعامل بالدين، متذرعا بكثرة المستدينين الذين كلهم ابناء الدوار ولايجوز ان يتعامل مع احد منهم دون الآخرين.! لم أضف كلمة. كتمتُ غضبا أليما كان يسيح في كياني كغمامة هائمة بلاأرض تفرغ عليها مافي جعبتها من مطر، وتنحيتُ الى حجر في ساحة الحانوت، وسط الدوار، وجلست حزينا دون ان استطيع منع عيني عن القفز كطفل شقي بين انواع الخضر والفواكه وباقي السلع المعروضة في الحانوت المنتشي بنفسه والفاتح بابه الواسع كفم لايكف عن آيات الشكر للجائحة التي حطت عليه ربحا مضمونا، فمصائب بعض عند بعض فوائد، وبين اولئك الذين يروقهم ان يستعرضوا أنفسهم الفارغة، التي لاتمتلئ إلا كما تمتلئ قفف التسوق، ومقتنياتهم فيم هم يتبضعون، ويتباهون امام الذي لايستطيع ان يشتري كما يشترون، كما يبثون نوعا من عدوى التنافس في الشراء بين الذين يستهويهم استعراض عضلات جيوبهم امام جيوب ضامرة.! لكن شخصا جلس الى جانبي، ومال على أذني دون مراعاة لقواعد ( التباعد الاجتماعي) التي تصدع الرؤوس صباح مساء، وهمس لي، بعد ان مهد بكلام يؤكد انه لايريد لي سوى الخير:
– لما لاتلجأ الى مستشار دوارنا.؟ لن يرد طلبك..عِده بالتصويت في الانتخابات القادمة.! ماهمك..وكما يقول المثل:” نتفة منْ الْحلوف ولا يمشي سالم”.!
فجعلني أقلب طاولة الافطار، التي كانت تمتد في خيالي، حائلة حزينة وعليها براد شاي وخبز وزيت كل ماتبقى لاسرتي على طريق الجوع القادم، وانهض غاضبا بجنون قذفتُ معه بصقة حارة على وجهه حالما استقرت عيني المتقدة على ملامحه الباهتة كحياته المنحطة، وانفجرتُ شلالا من سباب حاد انهمر عليه وعلى مستشاره واولئك الفارغين الذين يتباهون بقففهم المليئة وسط ابتسامات كأنها من وصلات إشهار. ثم انسحبتُ من ساحة الحانوت مرجلا يغلي، دون ان أتلقى ردا من أحد، مع اقتراب موعد الافطار في شهر لم يكن مباركا علي وامثالي.! لهذا كله استلمتُ السلسلة من يد زوجتي، بيد مكرهة، وفي نيتي ان اودعها رهنا مقابل سلف اتدبر به حالي بانتظار انجلاء الجائحة لدى شخص من اكبر التجار في الدوار بل والمنطقة كلها. ولم يخطر في بالي قط انه، وبعد ان يقيسها على عنقه بطريقة موحية، سيقول لي، في صيغة مزحة سادية، وبوقاحة صماء:
– كان من الأجدى لك ان تجلب معك العنق الذي طوقته هذه السلسلة، ثم تعيده، عوضها.!
لأجد كفي الغاضبة تهوي على وجهه القصديري بكل مافي عضلاتي من قوة، فيم فمي يصيح بجنون:
– لست قوادا يا ابن العاهرة.!
لكن صياحه جعل افراد عائلته يغلقون باب الدار علي، ولم ينفتح إلا حين حضر الدرك وقيدوني؛ لأجد نفسي في الاخير محشورا في سيارة الدرك، تلاحقني تهمة السرقة باستعمال العنف في واضحة النهار، وانا اتابع اصبعه اللعين وهو يلوح بالسلسلة بطريقة مستفزة بذيئة، مع الرغبة في قضمه، لكن دون ان استطيع شيئا.!

أضف تعليقاً