حتى يوم الجمعة، يوم راحتي الأسبوعية أستيقظ مبكرا ”قالها متأففا وهو ينهض من سريره، وصَّله أخوه بسيارته إلى محطة القطار، حجز تذكرة وجلس على أحد كراسي الانتظار.
في مقابله يجلس رجل يشبهه تماما، غير أنه قد خالط لحيته الشيب وامتد حتى غزا جانبي رأسه ”لا يعرف إن كان جلس قبله أم معه“.
بدأت ألسنة الشمس تلعق قطرات الندى المتجمعة على أسطح أعمدة الإنارة والمظلات، أرخى النادل تندات الكانتين لتحجب أشعة الشمس؛ بدأت تعوق مجال رؤيته، مما اضطره إلى وضع يده فوق عينيه كلما أراد أن ينظر بعيدا.
نظر في ساعة يده، وقال في نفسه “حسنا ما زال هناك وقت لأحتسي كوبا من الشاي بقطع من البسكويت“ صفق بيديه تصفيقتين مناديا: جارسون.
سمعه وجاءه يرمل، عندما دنا، طلب منه بعضا من الشاي مع البسكويت السادة..
اختلس النظر إلى شبيهه، وجده هو أيضا يختلس النظر إليه، ابتسم له، فبادله الابتسامة، دار في خلده؛ سبحان الله يخلق من الشبه أربعين، يشبهني تماما لولا أنه يكبرني كثيرا، ويبدو من سمته والحقيبة المعلقة على كتفه أنه طبيب مثلي، وربما يقصد أيضا المؤتمر الطبي الذي أقصده….
بدأ يكضم البسكويت ويرشف الشاي، طاف بفكره في حواري الظروف وأزقة الأحوال التي جعلته يغادر سريره مبكرا في يوم راحته، ويحمل الحقيبة المليئة بالكتب والمذكرات وأقلام التظليل بألوانها المختلفة والمعلقة برقبته ليل نهار، يفكر في المهنة التي سرقت منه شبابه وجعلته يقصر تجاه نفسه وأسرته وأقاربه، وجعلته عرضة لاستغلال الصنايعية عندما تتعطل سيارته أو يخرب سيفون حمامه أو يتسرب غاز ثلاجته، …. ،وأيضا لا تُحترم خصوصيته من المرضى الذين يقصدونه في أوقات متأخرة من الليل ولا يتوانى بحكم المهنة السامية عن تقديم العون لهم، والطامة الكبرى هي عدم توفير حياة كريمة له من قِبل الدولة، تركته بين سندان العمل الحكومى ومطرقة العيادة الخاصة، …..
ثم زفر زفرة طويلة عندما تذكر متسربي التعليم في قريته وما آلت إليه أحوالهم من الثراء، وبينما هو كذلك…
سمع صافرة القطار وجلبته، نهض ليأخذ بيد شبيهه؛ ارتطمت يده بلوح الزجاج!!

أضف تعليقاً