سحب يده من جيبه بعد أن تحسس كسرة خبز يابسة،أطبق ذقنه على صدره وأخفى كفيه المتجمدتين تحت أبطيه في تكور حلزوني وهو يختض من البرد،المعطف الممزق القذر يغطي كتفيه دون أن يمنحه الدفء الذي ينشده،المار بقربه في تلك الليالي المجحفة ببردها القارس يسمع له أنينا غريبا كأنين كلب عجوز تحالف عليه البرد والجوع والتوحد.حين تأخذه غفوة شبيهة بالإغماءة ترن(الطاسة)التي وضعها أمامه فتوقظه لينظر أن كانوا قد رموا له بقطعة نقود أم حصى يسخرون منه بها .غالبا ما كان يشتم المارة أكثر مما يدعو لهم.عند صياح أول ديك يغادر رصيف المحطة حيث تتزاحم الأقدام ويعم صخب العربات والناس،وإذ يسأله احدهم عن سر مغادرته المكان يبتسم وينظر إلى محدثه بعينين فيهما من التساؤل والريبة الشيء الكثير ثم يمضي في عجالة متأبطا عكازه الملفوف بخرق بالية والكلب يتبعه عن بعد برأسه التي تظل أبدا قريبة من الأرض وكأنه متهيئ لأن يقعا إذا ما حانت من الشيخ الهرم التفاتة إليه ,وإذا مر احد ممن يعرفون المسكين ورآه وهو يحجل على عكازيه والكلب خلفه فانه يصيح عليه مشاكسا .هيه أيها الشحاذ احذر فقد يأكل الكلب ساقك الأخرى..كان قد ادعى انه عندما كان في عنفوان شبابه شارك في احد الحروب فأتى لغم على ساقه فلم يحزن لفقده الساق بقدر حزنه إذ رأى الكلاب تنهش ساقه المبتورة فظل يردد تلك القصة ولا احد يصدقه لكن صوت المعارك بقى يتردد في رأسه ضجيجا أقوى من صمت الليل وجوعه وبرده.وصل إلى أطراف المدينة حيث الأطلال الخربة التي تؤويه بمحاذاة مجمع النفايات تحسس كسرة الخبز اليابسة في جيبه والتفت بسرعة ليغافل الكلب عله يراه واقفا ولو لمرة واحدة منتصبا لكنه خيب ظنه وأقعا بسرعة واضعا رأسه لصق الأرض هازا بذيله في وهن كبندول ساعة توشك أن تتوقف, عندها رمى بكسرة الخبز الوحيدة ومضى إلى الداخل وهو يهش بيديه في وجه أشباح لا احد يراها غيره
- الشحاذ
- التعليقات