ليالي عجاف تمر علي ، ليل لايفقه من الأحلام شيئا ً، لذلك يستغلني بخبث ونجاسة ، حالما أسدل نفسي على الفراش أستسلم لسلطان النوم الجائر دون ان يترك لي فرصة للتفكير ماذا أعمل غدا ً أو التذكير ماذا عملت ، أتمنى أن أحلم في أحد الليالي بأي شيء حتى لو كان الحلم كابوسا ً مرعبا ً أو الزواج من راقصة باليه أو أن أكون شرطي حدود أو حتى لو كلب بوليسي ، تنسد علي ّ منافذ اليقظة حتى حين أنوي أن أقطع نومي عبر منبه الساعة ، لا أعرف فيما اذا كان منبه الساعة يعطل أثناء الليل أم اني أتحول الى أخرس وأطرش أو أني أموت موتا ً مؤقتا ً لايزيد على ست ساعات ، أحضرت شايا ً وقهوة ومنبهات وصفها لي بعض المقربين من ضمنها أقراص الفالتوه التي تجعلك تنفلت من كل شيء حتى من نفسك ضمن خطة لاستبدال نمط حياتي بحيث أسهر الليل كله وأنام النهار كله فاصطدمت بالسؤال السخيف كيف اذن لي ان أعيش ؟ ومن يتطوع من عائلتي التي تكيل لي التهم على غير سبب أن يطبخ لي ثلاث وجبات أكل ليلا ً وكيف أقسمها ، استعنت بذوي الخبرة من الكفاءات المتدنية الذين لايبخلون بأفكارهم على أحد لتفاهتها ، أحدهم وصفني بالمعقد وطلب أن يسألني بعض الأسئلة وأجيب عليها على احتمال ان سبب سوء علاقتي بالليل هي نفسية ان لم تكن سياسية أو عقائدية أو كونفدرالية ومن ضمن الأسئلة التي أتذكرها :
ـ هل تحب الفاصوليا في الصيف ؟
ـ هل كانت علاقتك مع جدك لأمك جيدة ؟
ـ إلى من تميل الى قوات الاحتلال أم للبيشمركة أم للميليشيات أم لتنظيم القاعدة ؟
ـ قبل أن تموت ، تنوي كتابة وصيتك بقلم جاف أم بقلم رصاص أم ببندقية كلاشنكوف عيار 62و7ملم؟
استنتج بعد صفنة وبلع قرص كبسلة وإشعل سيكارة ، تمغط وقال :
ـ ياولد ! مشكلتك نفسية .
ـ وما حلـّها ؟
ـ لاتتنفس كثيرا ً.
شكرته جدا ً على هذه المحاورة الفلسفية وهذه المعلومات التي يمتلكها ، طلب مني أن يجري معي حوار آخر مفتوح بعد أقل من سنة محظور نقله مباشرة عبر القنوات الفضائية واللافضائية ،لماذا سألني هذا المعتوه عن قوات الاحتلال وعن البيشمركة والميليشيات والقاعدة ، عدت اليه وسألته عن ذلك فقال لي : أجيبك بالحرف الواحد وأسألك بالشرف الرفيع الخالي من الموبقات أن يبق السؤال والجواب في غاية السرية والكتمان ، أنا لا أعرف الإجابة بالضبط لكني أعتقد أني كنت أقصد بالفاصوليا لأن الناس يسمونها اليابسة , وعن جدك لأمك لأن هناك دعاية كنت أسمعها من بعض الناس انه كان يحب جدتي وخطبها أكثر من ثلاث وعشرين مرة لكنها قسمة ، وعن الوصية والميليشيات … هنا تركته يهذي لوحده ووليت وجهي شطر بائع للبالات كان اسلوبه للترويج جذاباً ،. بالرغم من أن ليلي المسكون كان يزعجني الا أن بعض الناس كانت تتمناه ، لظروف أمنية بالغة التعقيد قررت البحث عن فيلسوف آخر منفلت من المناهج التقليدية والحديثة وما أكثرهم ، لكن الصدفة كانت مباركة فالتقاني أحدهم دون شروط مسبقة وسألني بعض الأسئلة منها :ـ
ـ هل لازلت تحب أن تنام حالما ً ؟
ـ نعم وما أدراك بذلك ؟
ـ اذا لم أعرف هذه الأمور لماذا احترفت اللاجنون ؟ هل تريد أن أمزق ثيابي وسط الشارع بأعلى صوتي صوّت لمن تحب ؟
ـ لا ..لا.. هذا لايستدعي ذلك .
ـ اذن اسمعني ايها التافه الحقير الذليل المسيء السافل الساقط وانتفخت أوداجه واحمرت عيناه ودمعت ،وصار يرشح من أنفه وعرق وجهه واحمر ، وتبعثر شعر رأسه ولكي اهديء من روعه مسدت وربت ٌّعلى ظهره وقبلته من رأسه وطلبت منه ان يخلع نعليه قبل ان يرشقها بوجهي أو على أحد المارة فأذعن وهدأ واسترخى ، وقال ياولد أتعبتني ولكن أعطيك هذه النصيحة كنت ادخرتها لأيام الضيق لكني لاأبخل بها عليك كي تحلم في الليل والنهار وأنت تأكل وأنت تشرب وأنت تمشي وأنت في المرحاض وأكد علـي ّ ستأخذ منك المراحيض وقتا ً طويلا ً كونها المناخ الملائم للتفكير ،حدق في وجهي ، حك رأسه كمن يفكر ، لعق زاوية فمه بطرف لسانه ، ياولد نصيحتي لك أن ترشح نفسك لكتلة مجانين أو تدون مذكراتك محاربا ً أومحاصرا ً، قالها وفر ّ راكضا ً بكل ما أوتي من قوة ……
- الشروع بالحلم
- التعليقات