شراع أبيض يتمزّق، يرفرف بعنف على حافة صخرة صلبة حفرتها الرياح عبر الزمن. زرقة السماء البعيدة تتداخل مع زرقة أعمق، حيث يرتفع الموج ويضرب بقوة على قواعد منارة شاهقة. رذاذ الماء المالح يتطاير في الهواء، وصوت اصطدام الأمواج بالصخور يتردد كزئير وحشي.
تجعدات عميقة تخط جبين رجل يقف على مقدمة السفينة، آثار الملح البيضاء عالقة بين ثناياها. بشرته السمراء الداكنة تبدو وكأنها نُحتت بفعل سنوات طويلة تحت الشمس الحارقة. عيناه الضيقتان تحدقان في الأفق المضطرب، وبريق حاد ولكنه واهن يومض فيهما، كشعلة صامدة في وجه العاصفة. يداه الممسكتان بدفة القيادة تظهر عليهما عروق بارزة، تشهد على قوة وإصرار. اسم السفينة مكتوب بحروف باهتة على مؤخرتها الخشبية المتآكلة.
يرتفع بناء حجري رمادي نحو الغيوم الداكنة، شكله أسطواني صلب يخترق السماء العاصفة. يُشاع بين البحارة أنه “عين البحر”. في أعلى البرج، خلف نافذة مضاءة، تتحرك ببطء يدان متجعدتان، تحملان آثار سنوات من العمل الشاق. ضوء قوي ينبعث من عدسة ضخمة، يمسح الظلام الدامس حوله بدوران ثابت. يظهر للحظة وجه شاحب في إطار النافذة، انعكاس الضوء يضيء تجاعيده العميقة، وزاوية فمه مرتفعة قليلًا، في تعبير صامت وغير واضح.
تشتد العاصفة، ويهتز هيكل السفينة بعنف. يُسمع صوت تكسر الألواح الخشبية المتآكلة تحت ضربات الموج العاتية. يمسك القبطان علي بحبال الشراع المتآكلة بقوة، تشد أصابعه المتصلبة على الأخشاب. يرتعش كتفه للحظة، لكنه يثبت قدميه بقوة على أرض السفينة المائلة. يرفع رأسه نحو السماء، وتتساقط قطرات المطر على وجهه، وتغسل آثار الملح.
فجأة، يظهر لمعان أبيض يكسر الظلام في الأفق. ليس ضوءًا عاديًا، وإنما شعاع قوي يتحرك بانتظام، يرسل إشارات ضوئية متقطعة. يوجه الضوء شعاعه نحو السفينة التي تتأرجح بعنف، ثم يعود ليمسح الأفق مرة أخرى.
يرفع القبطان علي رأسه، يتبع الضوء بعينيه، تتسع بؤبؤتاه، وتتغير ملامح وجهه تدريجيًا من القسوة إلى ليونة لم تكن فيه. يوجه دفة سفينته نحو مصدر الضوء، تتصارع مع الموج، ولكنها تتقدم بتصميم جديد.
مع طلوع الفجر، تشرق الشمس على سفينة “الأمل” راسية بسلام في شاطئ هادئ. تحيط بها صخور ضخمة كانت لتكون نهايتها. ابتسامة ارتياح ترتسم على وجه القبطان علي. يرفع عينيه إلى المنار الشاهق، فيرى وجه مصطفى في النافذة الصغيرة من الأعلى. لا يتبادلان الكلمات، بل يلوح علي بيده في اتجاه المنار، بينما ترتسم على وجه مصطفى ابتسامة خفيفة، ثم يختفي.
- الشعاع الأخير
- التعليقات