الفقر في قريتنا نجم متوج على عرشها بلا منازع .. تتعدد أشكاله وصوره ككرنفال بائس بلا مناسبة .. رغم كل هذا الفقر بقي ناس بلدنا مبتسمين دائما .. ولديهم كثير من الأ فراح والموالد تنسيهم فقرهم .. ولكن ظل وجود الدراويش والمهاطيل والغلابة دليل تمكنه منا ..
وعلى ذكر الموالد كان لدينا موالد لأناس مختلفين مجهولين .. يتشابهون بأنهم جميعا من خارج البلد .. أبو النوح والشبانية و أبو فودة .. والأغرب مقام لأبو دأوود .. وأيضا شجرة مبروكة للشيخة كواده .
يرقد أبو دأوود هذا المجهول بقبر في الجبانة الكبيرة .. المقام يماثل قبب الأولياء ومبني بالطوب اللبن.. ولأنه يحتل مساحة كبيرة ومتاخم لمقابر عائلتنا .. ولضيق المساحة وكثرة الموتي تم هدمه ..
كان مرتعا للاعبي القمار وهواة قضاء الحاجة في المقابر .. الأغرب اعتباره ملجأ للهاربين من أي شئ ..
ولأن ملاعب الصبا هي مرتع ذكرياتنا الطفولية .. وقد كانت متعدده على زماننا .. فتارة نلعب في (جرن الشياب ) بجوار المقابر .. والذي كنا نخاف منه ليلا رغم وجود مقام (أبو دأوود) ..
كان (جرن السوق ) ورغم شجرة الشيخة كواده الملعب المفضل لنا .. ولكننا نحرم منه كل يوم الاثنين .. حيث تخزن البضائع من عصره استعدادا للسوق .
يوم الثلاثاء وبعد العصر وإنتهاء السوق فعليا .. نتجمع نحن صبية الحواري المحيطة بالسوق .. ننظف الأرض من بقايا البضائع التالفة .. وروث الحمير التي تحمل بضائع التجار .. يحدونا الأمل في تجهيز ملعب الكرة سريعا.. ولعلنا نجد بعض القطع المعدنية التي فقدها رواد السوق ..
ولا نجد مكانا نضع فيه المخلفات إلا تحت شجرة الشيخة كواده .. وأحيانا نحاول اقتلاعها فلا نستطيع .. يطاردنا معتقدي كراماتها فنعدهم أن نزيلها بعد المباراة ..
يراقبنا ذلك العجوز محذرا من غضب الله علينا انتصارا لها . ولم أجد تفسير لتوقيرهم شجرة كواده ؟ .. ومن هي هذه الكواده ؟.. وما معني كواده أصلا ؟ .. ولا ماهي كراماتها ؟ ..
ولأنهم في بلدنا يبالغوا في قيمة من يعتقدوا فيهم .. أوصلوني لعدم اقتناعي بهولاء الأولياء ..
لم أنس الليلة الأخيرة لمولد الشبراوي بالدراسة .. كنت طفلا بالتاسعة وذهبت مع عمي قاطن القاهرة .. عدت منها بحمي أقعدتني مريضا لأسبوعين .. برغم عهد أبي وعمي معه كرهت الشبراوي والموالد ..
لما طال العمران الأرض بجوار السوق لم يكن بد من اقتلاع الشجرة ..
قبل دخول الكهرباء كان يضع الشمع ليلاتي بها .. لكن الرجل مضطر لتوسعة بيته على أنقاض الشجرة فمضى يجتثها .. ولم يأبه لتحذيرات العجوز ..
شهران فقط واشتعل الحريق ببيته الجديد لغير ما سبب .. جلس مكان الشجرة باكيا ونادما طالبا السماح . رغم سني الصغيرة وقلة استيعابي لما يحدث .. أشفقت على الرجل وسخرت منها ..
لما حكيت لها ماحدث قالت أمي لعلها صاحبة كرامات .. ولم اصدقها وحاججتها وهي تسمعني صامتة .. منهمكا باللعب شعرت بسكين حادة أسالت دم قدمي الحافية .. كانت زجاجة مطمورة بموضع الشجرة .. ضحك مني العجوز وكرهته وكرهت كل كواده وأشجارها في زماننا .
مازال أثر جرح زجاجة كواده في قدمي .. ولم يعد للشجرة أثر يذكر بعدما احتل البناء أرض السوق ..

أضف تعليقاً