..لعنتُ الكورونا. لعنت الزمن الكوروني. تدفقت حمم الغضب باندفاع جارف على لساني، وامتدت الى كل شيء يمكن أو لايمكن سبه، طالت المقدسات والمدنسات، وانتهت الى سب القمح والشعير، وبغلتي سي عبد الغني، وسي عبد الغني نفسه، وكانت الخاتمة بصقة عميقة حاقدة دلقتها على كل شيء، وتمنيت لو صارت طوفانا لزجا يغرق كل شيء، بما فيه أنا، أنا الذي صار مجرد شيء يمكن أن تضحك عليه وبه ومنه، مجرد مادة للضحك.! لقد سبق وحذرتُ، البارحة، هذا الطاووس المغرور السادي المدعو سي عبد الغني، من مغبة الإستمرار في جعلي مادة للتندر، لكنه كان يكتفي بإطلاق قهقهة فاجرة صماء متباهية بفرقعاتها الصوتية الجوفاء، كأن تحذيري ذاك كان يستدعي كل ذلك الإنفجار المقهقه الذي ينم عن تلذذ سادي بمسخرة الآخرين، وجعلهم مادة لنوبات ضحك مريض. ثم يقول لي، بابتسامة جافة صفراء، دون أن يكف لحظة عن مراقبتنا ونحن نحرث، أنا وعبد السميع، محاولا انتزاع أكبر جهد ممكن منا عبر قهقهات رعناء من كلام فارغ مدعيا أنها صالحة لجعل نهار الحرث الشاق أكثر سلاسة، كان يقول من وراء سحابة دخان السجارة الغالية التي تكاد لاتنطفأ بين أصابعه الكسولة:
– وسع قشابتك، سيدي الشيخ.!
ويضيف مؤكدا وموجها كلامه الى عبد السميع، مع الحرص على أن لا يوقف شغله في ضرب الأرض التي لايطالها المحراث حول الصخور بالفأس ودون أن تغيب عن لسانه طول النهار حكمة:( حديث ومغزل) ويضيف:
– شيخ أحب من أحب وكره من كره، أليس كذلك ياعبد السميع.؟
فيكتفي عبد السميع بابتسامة مواربة لاتعرف أهي مع او ضد، لكن الأكيد أنها لاتريد ان تكون لامع ولاضد، فقط تريد ان تنسل بين الإثنين كالشعرة من العجين. وتصير الإبتسامة ضحكة مسموعة حين يواصل سي عبد الغني قائلا ببذاءته المعهودة:
شيخ ونص..كمنجته الحمراء تترك البول ينفلت من بين أفخاذ النساء، كما تجعل ورقة العشرين درهما تتسلل من الجيوب وتطير الى أحضانه.! لكن اللعنة على الكورونا التي حرمتنا من خصور تتمايل على أوتار كمنجة حمراء.!
لقد قلت له البارحة، بجد، لم أعد شيخا، أنا مجرد مياوم يعمل معك الآن حرثا في أرض شبه صخرية لاتطالها عجلات الجرار، ولاداعي لتذكرني بجرح عميق في نفسي لاأريد النظر إليه الآن.لكنه لايفهم، لأنه لايشعر بآلام الآخرين، ويمكنه أن يجعل من أتراحهم سندويتشا من قهقهات، ويعطي كل الحق لنفسه في تحويل الآخرين مادة لسخريته الرعناء. وكيف لا وهو سي عبد الغني صاحب الاملاك الشاسعة ومالك الجرار وآلات الحصاد والدرس والبغال والسيارة الخاصة والخدم والأزلام والصوت الحاسم في أي انتخابات وهو الشخصية الأبرز بين أعيان المنطقة. لكن دون أن يتخلى عن عادته الذميمة في الوقوف على رأس الأجراء وهم يشتغلون لانتزاع أكبر جهد منهم ونهرهم أحيانا وحتى طردهم من غير سنتيم واحد إذا ارتآى ذلك، ودون كذلك ان يستطيع التخلي عن صممه الفئوي الخاص حيال رجائي منه أن يدعني الى حالي البائس، ويناديني بإسمي فقط من غير حاجة الى كلمة: الشيخ، لأني لحظتها كنت أمسك المحراث وليس الكمنجة وبين أصابعي الحبال الحادة وليس الأوتار الرقيقة، بعد ان حكمت علي الكورونا بذلك، هي التي تكره الكمنجات والرقص وليالي السهر والغناء، وتحب أن ترى الحياة بلون الكفن.! فهذا أول عام من عمري يمر علي بلاأعراس، وتركَ الكمنجة بين يدي كدجاجة جافت قبل الذبح، وصار لليل في نفسي وقع بئر سحيق بلاقرار.! والطاووس السادي لايمكن أن يفهم معنى ان يمر عليك صيف بلازغاريد ويحرمك من حفيف أحزمة الشيخات ومن جمع حاشد أنت على رأسه السيد وفي يديه كمنجة تستطيع أن تمتد فوق الكل غماما من ألحان. لايمكن ان يفهم معنى أن تمنعك الكورونا من دخل يتيح لك أن تخلد مرتاحا الى سبات الشتاء بانتظار أن تستيقظ أعراس قادمة. لايمكن أن يفهم معنى أن تجد أناملك الرقيقة التي ألفت أن تزرع بين الأوتار ربيعا من الألحان نفسها مرغمة على أن تصبح خشنة وتمسك بقبضة محراث جافة في صقيع الصباح الباكر لأجل لقمة عيش ذليلة.! لهذا كنت أتمنى أن يسحب كلمة الشيخ من الكلام العابث الذي يفيض من فمه المهذار وينشغل بالحديث عن أناه المتضخمة كما اعتاد حين لايجد أحدا يتندر به..لكنه لم يفهم، وماكان ليفهم، وواصل عبثه السادي ذلك الصباح واندفع، حالما جاء إلينا على ظهر حمار مخصص لينقله في الأماكن الوعرة، ليصافحني بطريقة مسرحية منافقة مستفزة تدعي أنها تظهر الخضوع والإجلال والإحترام قائلا:
– صباح الخير سيدي الشيخ.!
وأضاف بنبرة مابين الجد والمزاح:
– ارتح سيدي الشيخ، قررتُ أن أجلب شيخة الى هنا، وحتى اثنتين إن شئت، لترقص على خطوط الحرث التي يخلفها المحراث وراءه كألحان من نوتات من تراب، كي تعوضك كل ماحرمتَ منه في هذا الصيف الكوروني.!
وأطلق قهقهة صاخبة منتشية بدا وكأنه حضر لها وهو في الطريق إلينا.! ثم قفز بعدها ونزع يدي عن قبضة المحراث، وتفحصها وقال مبديا الأسف:
– خسارة، لقد صارت أناملك كأصابع الخماس، ومحال أن لاتمزق أوتار الكمنجة الرقيقة.!
ففار الغضب الذي كنت أحاول كبحه، وفاض الى يدي، وتركت المحراث، وهويتُ عليه بالسوط الذي كنت أجلد به البغلتين، في نوبة جنون عصفت بي.ثم اندفع عبد السميع إلينا وركض آخرون كانوا يحرثون على مقربة منا، ولم أعد أسمع غير:
– أجننتَ ياهذا.!؟

أضف تعليقاً