في صغري ، وفي ظهاري الصيف اللاهبة يتملكني الضجر ، و يدب الملل الى قلبي ، ، حينما نُرغم على القيلولة اللعينة الممتدة الى نهاية العصر ، كنت أستلقي على ظهري وأتطلع نحو المروحة السقفية وهي تدور بكسل ، محدثة صريراً خفيفاً ، برتابة وإيقاع ثابتين ، يسارع بإطباق جفون أخوتي المتناثرين على أرضية الغرفة ، كنت أنتظر إغفاءة أمي ، المتلفعة بشيلتها السوداء ، وسماع شخير أبي المُتعب من كد نهار طويل ، فأتسلل بخفة قِط ، وأرتقي حافياً السلم المفضي الى سطح دارنا الصغير .
أصف الحجرين المركونين الى جانب التنور الطيني ، وأعتليهما ، لأطل على باحة الدار الخلفية ، التي تسكنها جارتنا العجوز ، والنظر للشباك الخشبي الأزرق ذا الظلفتين ، الشباك الذي تسحرني زرقته ، وألق ضياء الشمس الملتمع على حوافه ، والنور المندلق على زجاجه .
أحدق فيه طويلا ، طويلاً ، منذهلاً ، ربما لندرة الألوان في بيوتنا الحائلة كلون التراب في حينا الفقير ،ينتابني حلم أن أدنو منه وألمسُ خشبه الناعم ، وأطلُ منه الى الغرفة الصغيرة التي ظلت لغزاً في مخيلتي ، ماالذي في داخل تلك الغرفة ياترى ؟؟ هكذا كنت أحدث نفسي !!
مكثت أرقب العجوز وهي تُدّور المغزل بحركة رشيقة ، و تتطلع الى نقطةٍ ثابتةٍ أمامها ، دون أن تلتفت ، ولولا حركة كفّيها ، لخِلتُ أنها تمثال حجري يقبع أمامي .
لم أستطع أن أتبين المكان الذي تحدق فيه ، فالزاوية التي أطّلُ منها لاتتيح لي رؤية ما يواجه المرأة ، أصبحت تلك النقطة لغزاً أخر يحيرني ويثير تساؤلي وفضولي.
وبينما كنت سارحاً أرقب المرأة والشباك الأزرق ، مَرقَ شبحُ صبي مسرعاً ، لم أستطع أن أتبين ملامحه ، راودني إحساس أني أعرفه ، سأنتظر لعله يعود ثانية ، فأتعرف عليه .
إرتفعت الشمس في السماء ، وأنحسر ماتبقى من ظلٍ قصير كنت ألوذ به لأحتمي من وهج الشمس الحارق ، لكن ظهور الصبي ووجوده في هذا المكان ، دعاني الى تحمل اي شيء كي أحل هذا اللغز الجديد ، إنتظرت طويلاً لأرى إن كان سيظهر الصبي مرة أخرى !!
آه ، إنه هو ، أحمد صديقي في الصف ، أحمد الذي أجلس وأياه على رَحلةٍ واحدة ..
أحمد ، أحمد ، ناديت عليه بأعلى صوتي ، ملوحاً له بكلتا يدي ..
رفع رأسه نحوي بفتور ، إلتفتت العجوز إلي للمرة الاولى ، نادتني : سليم ، سليم ، تعال يابني ، تعال وألعب مع أحمد ، تعال..
نَحّت المغزل وكومة الصوف جانباً ، وأستوت قائمة بخفة أمرأة شابة ، ثم أحضرت سلماً طويلا إمتَدَّ من جدار سطحنا الى الباحة التي تقف عليها ..
إنزل يابني ، لاتخف ، إنزل ..
لامست قدمي أولى درجات السلم ، لم تنتابني رهبة الأرتفاع ، ولاخشية السقوط ، وفي لحظة خاطفة وطأتُ بلاط الباحة المزينة بألوان الورود ، وأصص الزهور الملونة ، بدت لي أوسع كثيراً عما كنت أراه من السطح .. مدت المرأة يدها إلي وأبتسمت على نحو جميل..
تعال ياسليم ، كانت يدها دافئة ومعطرة ، قبلتني على خدي ، عطر شيلتها كالعطر الذي يضمخ شيلة أمي ، الأمهات يتشابهن حتى في العطر !!
أحمد ياأحمد ، نادت عليه ، هذا سليم ياأحمد ، سليم ، صاحبك الذي يجلس معك على رحلة واحدة ، رحلة واحدة ..
ظَلَّ أحمد صامتاً، يحدق بي بذهول ، رحلة واحدة !! ، آه عرفتك ، أنت الذي كنت هناك على ذلك السطح ، تنظر ألينا أنا وجدتي !
حيرني كلامه ، فهو يعرفني ولايعرفني ، ملامحه غريبة ، لكنه هو أحمد ، احمد الذي يجلس معي على رحلة واحدة ..
تَسمرتُ واقفاً بمواجهة الشباك الأزرق ، كان لونه ناصعاً مذهلاً ، لم أر من السطح إطاره الموشى باللبلاب والأزهار البيضاء الصغيرة.. ولم أتنبه الى الستائر الشفافة التي تهفهفها النسمات المنعشة التي تهب من داخل الغرفة ..
تعال ياسليم ، وأنت ياأحمد ، تعالا ياولديَّ ، تعالا ، سارت أمامنا نحو باب الغرفة الموصد ، أستلت من جيبها صرة مفاتيح ، إنتقت مفتاحاً كبيراً بحجم إصبع يد رجل ، أدارته في قفل الغرفة ، ثم دفعت الباب برفق ..
ياإلهي ، ماهذا ؟؟!!
تفتحت الغرفة عن أطرافٍ متراميةٍ ، رَحبة ، على نحو غير مألوف في بيوتنا ، كانت هناك نافورة وحديقة غناء ، ركضنا حول النافورة ، إصطدت بالونات ملونة كانت تحلق في فضاء الغرفة ، قفزاتي سريعة وعالية ، خلتني أطير ، نوافذ صغيرة تحيط الجدران من كل جانب ، أصص ورد على الشرفات ، عصافير وطيور ملونة تحلق في كل الأتجاهات ، المصاريع مشرعة ، والضياء الأبيض يندلق على الخضرة الداكنة لأوراق الشجر والمروج الخضلة الندية ..
تذكرت الشباك الأزرق ، بحثت عنه ، بدا لي بعيداً في الطرف الآخر من الغرفة ، جلس تحت نافذته رجل نحيف ، يشبك ركبتيه بكلتا ذراعيه ويحدق في الفراغ ، دنوت منه ، تطلعت بوجهه ، عيناه غائرتان بشكل مخيف ، برزت عظام وجهه الشاحب ، تراجعت الى الوراء خطوتين ، إرتمى علي بسرعة وطوق ساقي بذراعيه ، صرختُ مرعوباً .. جاء صوت العجوز :
لاتخف منه يابني ، إنه سعدون ، إبني سعدون ، يريد أن يلعب معكم ، إلعب معهم ياسعدون ، إلعب معهم ياقرة عيني ، لم يمهلك الموت أن تلعب مع أترابك ، لاتخف منه ياسليم ، إنه لايؤذي يابني ، آذوه كثيراً في أقبيتهم المظلمة ، رحل منذ زمن بعيد وهو يحلم باللعب ، كان صغيراً يوم أخرجوه من القبو ، الى القبو .. إلعب ياسعدون ..
مددت يدي اليه بالبالون ، كان يتبسم وعيناه تنضحان بالدموع ، وحينما قبض على البالون ، تلاشى كل شيء ، إنطفأت الأضواء ، وأختفت الألوان ، أفقت على صياح أمي في الأسفل .. سمعتها تقول لأبي :
لن يترك عادته الذميمة في الهروب الى السطح ، والتلصص على بيت جارتنا البصيرة أم سعدون ، آهٍ لو أعرف من أي طينة هذا الولد ؟! .

أضف تعليقاً