أستيقظ مختنقًا، هل كنت في كابوسٍ؟ لا أذكر، ولا أريد أن أذكر، أقوم، أمشي مترنِّحًا حتى البلكونة، أفتحها مُغمَض العينين بسبب الضوء الساطع، وأستنشق عميقًا فأسمع:
“كتبت لك رسالة إمبارح”.
“بجد؟”.
“آه والله”.
“فين هي؟”.
“عندك، حدَفتها في البلكونة بالليل، دوَّري عليها”.
“ماشي”.
أفتح إحدى عينَيْ وأفكر أن أطلَّ كي أرى صاحبَتَيْ الصوت الرقيق، وقد ارتسم في خيالي طفلتَين في الخامسة.. إحداهما بأسنانٍ منفرجة وشعرٍ قصير، والأخرى بعينَين عسليَتَين وخدود بارزة، لكني أخشى أن يفسد حضوري صباحهما، لذا أبقى في مكاني وأتابعهما، تقول إحداهما:
“مش لاقيا حاجة خالص”.
“يابنتي دوري كويس”.
“مانا بدور أهو”.
لا أعرف أفي الأعلى هما أم في الأسفل، صوتهما قريبٌ جدًا، يختلط بزقزقة العصافير، أقاوم للمرة الثانية أنْ أطلَّ لأراهما، ولا أستطيع أن أحدِّد في أيِّ طابقٍ تسكنان، تسأل إحداهما:
“ها، لقيتيها؟”.
ترد الأخرى:
“لا”.
فتقول لها:
“كتبت لك فيها بحبك يا هنا”.
“بجد؟”.
“آه والله، ورسمت لك قلب أخضر زي اللي بتحبيه”.
“لقيتها أهي”.
تقول في سعادة لا تقلُّ عن سعادة من وجدت الرسالة أخيرًا:
“طيب اقريها بقى وقولي لي رأيك”.
ترد:
“الله، حلوة أوي يا سها”.
تلمسني بهجتها، تبدو دافئة مثل شمس الصباح هذي، وتواصل:
“وأنا هكتب لك رسالة يا سها، وهرسم لك قلب حلو، إستني”.
“ماشي”.
أبتسم وأفتح عينِيْ الثانية مستنشقًا في راحة، وأدخل كي أعدَّ قهوتي، رغم أني لا أريد أن يفوتني شيئًا من حوارهما.
أعدُّ القهوة سريعًا، أحملها وأعود، يرنُّ هاتفي المحمول، أدخل، أجده رنين المنبه، وأستغرب جدًا: لماذا ضبطته في هذا الوقت المبكر وليس عندي مواعيد ولا عمل؟!
أعود مرةً أخرى للبلكونة فلا أسمع أصواتهما، أجلس، أشرب ربع زجاجة مياه قبل أول رشفةٍ من القهوة، ثم أشعل سيجارةً، في منتصفها تقريبًا يخطر لي أن أكتب رسالةً إلى خديجة، أقلِّب عينَيْ في بلكونات الصباح المغلقة وأفكر فيما سأقوله في رسالتي، تحضرني الكثير من المواقف والذكريات، كذلك الأمنيات التي أودُّ تحقيقها معها، فيغمرني الحنين إليها، هكذا دفعةً واحدةً، أحنُّ للقاءاتنا قبل الحظر في المقاهي الشعبية حيث كانت تصرُّ أن تُدخِّنَ سيجارةً من علبتي، تعلم أنها ستجعلها تسعل وتؤلم حلقها، أحنُّ لهروبها من لمس ظهر كفي لجانب ردفها ونحن نتسكَّع في الشوارع وهي تضحك، أحنُّ لبهجتها ما إن تلمح شوقي الملهوف في عينَيْ، أحنُّ للحديث وهي تنظر في وجهي وتلمسني من وقتٍ لآخر فأنسى ما أقول، وأحنُّ لحديثها، وهي بجواري، حيث تُكمل تعابير ملامحها الدقيقة الحكايات ويلوِّنها صوتها. أشعل سيجارةً أخرى وأفكر، مبتسمًا، أن أكتب لها ما حدث في صباحي هذا، بين الطفلتَين، وما دار في بالي كله، على ورقةٍ، ثم أضعها في مظروفٍ بلونٍ سماوي، اللون الذي تحبُّ، وأذهب إلى بيتها لألقيه في بلكونتها، ولكن، تُمحا الابتسامة وكذلك الفكرة، ما إن يتراءى لي أنها ستتخلَّص منها دون أن تلمسها بيدها أو تهتم بما بها خوفًا من أن تنقل لها الفيروس اللَّعين، فأغتمُّ وأقوم، أحمل بقايا قهوتي والسجائر والموبايل وأدخل.