الضياع ..ضياع الضيعة .. ضياع الهوية.. حروف تأتيك متقطعة من ذلك البياض المستطيل في ركن من أركان الخرابة يفرخ في تلافيف دماغك ألف سؤال وسؤال ماذا تعني : صن أرضك ،إحفظ عرضك ؟ الأرض.. العرض ..من يضيّع أرضه ، يضيع عرضه يصبح ذئبا أجرب بلا مأوى يعوي في صحرا ء مقفرة الجنبات.
كانت هذه زفرته الأخيرة ثم استوى عليه البياض ، تتحسس عنقك يركل قلبك في صدرك ، يقتلك أبوك قبل أن يموت ، فالوصية أحيانا خنجر مسموم . تنبطح أرضا تلامسها بروحك ، تقبل التراب ، تغْترف منها حفنة ، تشْمتها ، تزفر زفرة عميقة شبيهة بزفرة المرحوم ، تغوص في نوبة تفكير محمومة تنتابك، تخاطرات مذعورة تبحث عن ثقب للانفلات من ذاكرتك المتعبة ، حاسة شمك القوية تلتقط رائحة المطر .
-تورق كروم ، تزهر أشجار الزيتون ، وتستبشر خيرا … في مهبط الشمس ، تلوح لك غيمة كبيرة ، تتماوج ، تصعد ، تهبط ، لا تستقر على حال ، أسراب من البلاء تسقط على الزرع فتحيله قاعا صفصفا..يهولك أن هذا
الجراد قاتل ، مولعٌ بمص دماء الأطفال والشيوخ والنساء ،ضَرَارَته زرقاء
لا يميز الألوان ، يأتي على الأخضر واليابس ..نار تخبط خبط عشواء ولا تختار من يشب فيه إحرقها..
أهل الضيعة منشغلون عنها ، يخوضون حربا ضروسا ، حروب الصهيل تتناسل بينهم كلٌّ يمتشق سيفه، يمتطي صهوة مطيته ..يغوصون مطايا وفرسان في نوبة صهيل محموم صهيل في مساحات معتمة ، حمراء..دامية.
تضغط على حفنة التراب ، تتكور في قبضتك تؤلمك وتصيح فيهم :
– أيُلهيكم قراد أصفر، أشقر، أبيض ؟ يمتص منكم ماء الوجه إلى آخر قطرة ?
يؤلمك وجع التراب ، تؤذيك رائحته ، لا أدهم و لا أبْجر ، لا صهيل خيل في صحراء العرب ، فقط صهيل مساحات معتمة ، حمراء…
يهجم الجراد ، يستف التراب ، يمتص لُحِيَّ أشجار الزيتون ، يتحرش بالضيعة ، يداعب خصلاتها ، تتمنع ، تستعصي عليه يخرج خنجر الغدر من غمده ، تستنجد..
– واعرباه ! وإسلاماه ! وامعتصماه ! !
تضيع صرخاتها ..كحَصَيات ترمى في قاع بئر سحيقة ، فيعانقها الفراغ…!
تسقط الأقنعة .. ويتزاجم الأهل ،أمام الشقوق وفتحات الأبواب الموصدة في نَهم يستعذبون صرخاتها ، يستلذذون انتهاك عرضها ..لا داحس و لا غبراء ولا بسوس هذه خرافات و أساطير الأولين…
تصيح فيهم بكل ما أوتيتَ من قوة :
-يا عبيد الصهيل ، ومملاليك الصُّهال ماذا دهاكم ؟ ماذا أصابكم ؟
يجيبها الصمت الميت…
صيحاتك أنت تتردد في الفضاء دون صدى ، تندب حظك
-*كم كنت وحدك يا ابن أمي !
-*كم كنت وحدك !
-*يا ابن أكثر من أب !
-*كم كنت وحدك !
تكفكف الضيعة دموعها ، تغتسل من عارها بدم عذريتها المنتهكة ، تنتظر مولودها الجديد ،يبحثون له عن أصل و نسب..
تزداد سطوة الجراد قوة ،يعلو صريره ويرتفع يجتاح حقول الزيتون والليمون ولا من يحفل… لما يهدد الكراسي يعقد
اجتماع طارئ على عجالة لتدارس معركة الجراد ، فماء الوجه نضب وغاض ، يصفق كبيرهم ليسترعي انتباههم وبصوت غير متحمس ، مازال فيه أثر من الصهيل رن في آذانهم .. يزعق
-كيف نمسح عارنا يا قوم ؟ الجراد تمكن من الضيعة ، فضعنا ، وسيضيع أولادنا من بعدنا إن لم نتدارك أنفسنا..
ينبرى أحدهم يدُحُّ أمامه كرشا متدلية حتى ركبتيه يعتلى منصة الخطابة ،يمسح على شعيرات لحيته البيضاء ، يطبطب على بطنه المتخمة بالصهيل ..:
-أتعرفون قوم عاد وتمود يا قوم ؟
تبادلوا نظرات الحيرة :
-ما علاقة هذا الذي يحدث يا رجل بقوم عاد وتمود ، أتريد أن تستنجد بالاموات ؟
-قرأت في كتب صفراء قديمة حارب هؤلاء الأقوياء في وقت ما جحافل الجراد بالدجاح الديكة تقود الجيوش فما رأيكم ؟
آخر ، يغوص في أريكة جلدية ولا يظهر منه إلا رأسه المتوجة، يرد في عصبية
– في أي من الكتب ورد ذلك ، إنك تكذب ?
– أنت الكذاب ، فأنت أصلا يخيفك الورق الأصفر ، يخيفك التاريخ !
تراشقوا بالكلمات والشتائم والاتهامات ،ثم تحول الأمر إلى عراك بالأيدي والمناكب..والأرجل والرؤوس.
صاح كبيرهم بكل بقوة :
– يا قوم ألم تسمعوا بأن الجراد كان وجبة أساسية على موائد أجدادنا أيام القحط و المجاعة ؟ نحكم سيطرتنا عليه ونقتات منه..
الجراد يحبس النفس في الضيعة ، يفاجىء قاعة اجتماعهم، يعيث فيها فسادا ، تسيح الأجساد الرخوة أرضا ،توضع الرؤوس تحت الكراسي ، نعائمُ تحتمي برمال صحراء مكشوفة ، سطوة الجراد تدمر الكراسي..تلهمها، تقزقزها كحفنة لُبّ.
تضغط بقوة على حفنة التراب ، تتصلب في قبضتك ، تتحجر ، تتحول جلمودا ، تلوح به في وجه الجراد .. تقذف به جحافله ..
– أنا لها ، شرف الضيعة في عنقي أمانة ، لن أخون الوصية ، لن أكون ذئب الصحراء الأجرب .
يخرج صوتك خافتا مبحوحا…
والقلب ينبض بقوة..
- الصهيل
- التعليقات