قام البستاني العجوز وهو يلهث بحمل شجرتي ( الفيكس ) الكثيفتي الأوراق ليضعهما واحدة فواحدة فوق السيارة النصف نقل، صعد على ظهر السيارة ليجلس بجوارهما ممسكاً بهما للحفاظ عليهما حتى تصلا سالمتين إلى مكان غرسهما المستديم. سارت السيارة فالتقط أنفاسه، تطلع إلي الشجرتين والهواء يتلاعب بأفرعهما وأوراقهما الصغيرة كما تتلاعب الأيام بالبشر.
تذكَّر ذلك اليوم حين فوجئ وزميله البستاني الشاب بمرور مدير المصلحة المحبوب عليهما وهما يعملان في حديقتها الواسعة ليتنفس هواءً نقياً بعيداً عن جو مكتبه الخانق بهوائه المكيف المعباً بدخان الضيوف وضغط العمل. كان هو يقف تحت شجرة ( الفيكس ) الضخمة ومساعده البستاني الشاب متسلقاً أعلاها ويعمل في قلبها منفذا إرشاداته الفنية. سألهما المدير:
– ماذا تفعلان؟
أجابه:
– نحن نعمل ترقيداً هوائياً لأفرع ( الفيكس ) القوية حتى تعطي أشجاراً بعد عدة شهور ثم نزرعها في الأرض.
نظر المدير إلى أعلى وأشار إلى أكبر فرعين تم ترقيدهما وقال لهما:
– احجزا لي هذين الفرعين و عندما يصبحان شجرتين سوف أأخذهما لأزرعهما في مدافن العائلة التي انتشرت بها نباتات الصبارالتي لا تعطي ظلاً وانا لا أحبها.
شرد البستاني العجوز بفكره؛ تذكَّر زميله الشاب – ذراعه الأيمن – الذي كان يعاونه في عمله حين شاركه في ترقيد وغرس هذين الفرعين ورعاهما حتى أصبحا شجرتين، اغرورقت عيناه بالدموع، بسط يديه موجهاً راحتيه المفتوحتين إلى أعلى ناظراً إلى السماء داعياً له بالشفاء من الشلل الذي أصابه وأقعده وهو في ريعان شبابه.
ثاب إلى رشده مع توقف السيارة، هبط بصعوبة من على سطحها إلى الأرض، راح بمعاناة يُنزل الشجرتين الثقيلتين واحدة فواحدة والألم والحزن يعتصران قلبه، أدخلهما إلى المدافن بناء على أمر المديرالسابق ليغرسهما بجوار قبره بدلاً من نباتات الصَّبَّار التي أزالها بصعوبة، لفحته الشمس الحارقة الساقطة على القبر فراح يكرر هامساً: حقاً الصَّبَّار لا يعطي ظلاً.
- الصَّبَّار لا يعطي ظلاً
- التعليقات