يخيم الهدوء على المكان ناشراً سحب الصمت لا يقطعه سوى صوت ارتشاف الأب من فنجان القهوة وهو يتصفح جريدته اليومية وابنه يجلس أمامه مستغرقاً في قراءة كتابه، حرك الأب الجريدة بين يديه فأحدثت صوتاً بدا كالضجيج؛ رفع الابن نظره نحو والده في حركة لا إرادية ثم عاد به إلى كتابه. تقلقل الأب في جلسته، لعب بأصابعه في شعيرات رأسه البيضاء، همَّ بالحديث إلى ابنه، تمهل معيداً ترتيب الكلمات في فكره، جمع كل شجاعته وهمس:
– يا بني … أريد ان أتكلم معك في موضوع.
أغلق الابن الكتاب، نهض من مكانه جالساً بجوار أبيه وقال:
– نعم يا أبي … تفضل.
– أرجوك يا بني أن تفهمني جيداً ولا تسيئ تقدير موقفي.
– العفو يا أبي … ما هو الموضوع؟
أخذ الأب نفساً عميقاً، عدَّل من جلسته ، نظر إلى الأرض وهمس:
– أنت تعرف يا بني مقدار ما قاسينا منذ رحيل المرحومة أمك وأنت مقدم على السنة النهائية في دراستك الجامعية و لابد أن يتوفر لك كل أسباب الراحة حتى تحقق آمالنا فيك كما أنك تعلم أني رجل مسن وأحتاج إلى من يرعاني.
أحس الأب أنه بدأ بداية حسنة كاد ان يستمر في حديثه لولا أن قاطعه ابنه متسائلاً:
– ماذا تقصد يا أبي؟!
تلعثم الأب، بعثر ابنه سلسلة كلماته، جمع شتات فكره ثانية وأجاب محاولاً تصنع الهدوء:
– يا بني … نحن في حاجة إلى واحدة ترعانا وتخدمنا… أعنى أن أتزوج ….
صرخ الابن:
– تتزوج؟!
صُدِمَ الابن من حديث والده، أحس بغصة في حلقه، نظر إلى صورة أمه الكبيرة المعلقة على الحائط، تذكر أنه لم يمض سوى ستة أشهر على رحيلها المفاجئ، أمسك الدموع في عينيه عنوة،حاول الأب تهدئة الموقف فوقف حائلاً بينه وبين الصورة, ربت على كتف ابنه بحنان وقال:
– يا بني … أنت تعرف قدر المرحومة عندي واعرف أنه من الصعب عليك وعليَّ أن أتزوج واحدة أخرى ولكن يا بني هذا أفضل لك ولي.
نظر الأب ألى وجه ابنه مستكشفاً وقع كلماته وما ان وجده صامتاً منصتاً حتي استرسل ملقياً عن كاهله بقية حمله الذي تنوء به أعماقه:
– وأنت تعرف ظروف بيتنا ولذلك فلم أجد من تصلح لي وللبيت سوى(سوسن) ابنة عمك (فهمي) جارنا و ……
لم يكمل كلماته؛ أوقفته صرخة ابنه الذي هبَّ من مكانه فزعاً محملقاً في لا شيء أمامه، مادت الأرض تحت قدميه، أصابته الصدمة ببلاهة شديدة، سرت الرجفة في أوصاله وصرخ بغير وعي:
– مَنْ؟!!
دهش الأب مما انتاب ابنه، احتضنه، أجلسه على المقعد وقال:
– حقيقة أعرف أنه من الصعب عليك أن أتزوج بعدها لكن (سوسن) هي …
لم يع الابن بقية كلماته، سُدت أذناه بضجيج دقات قلبه، أغمض عينيه، همس لأبيه بمرارة واحاسيس مميتة تضغط على قلبه:
– لكن يا أبي…
لم يعر الأب لكلمات ابنه انتباهاً، ابتسم وضغط على كتفه مقدماً رشوة حنان ليتقبل ما سيقوله:
– والله يا بني مشاعرك عظيمة نحو المرحومة لكن لا تتصور أبداً أنه سيبدر مني أو من أي شخص في المنزل ما يسيئ إلى ذكراها.
أغاظته بسمته، كاد يقتله بكلماته، قال والحزن يملآ قلبه:
– لكنك لا تعرف.
سقطت البسمة من بين شفتي الأب، احتلت الدهشة تقاطيع وجهه، صاح بدوره:
– لا أعرف ماذا؟!
فكر الابن سريعاً، حاول إنقاذ الموقف ملبساً كلماته رداء السكينة والهدوء واستدرك:
– لا شيء … لا شيئ … فقط انا متعب.
مضى الأب من أمامه، وراحت الثورة العاتية تضغط على أعصابه وأعماقه تغلي وتفور وكله رغبة في أن يصيح:
– نعم أنت لا تعرف… لا تعرف أن (سوسن) هي حبيبتي أملي وروحي ومستقبلي، أنت لا تعرف الحب الكبير بيننا، رحمك الله يا أمي؛ بقلب الأم أَحَسَّت بنبض قلب ابنها وباركته في صمت، أنت لا تعرف أننا رسمنا مستقبلنا معاً، انفجر البركان داخله فراح يبكي بحرارة.
تنبه حين لمح أباه أمامه يلمع في كامل زينته، قال له الأب بسرعة وابتسامة صفراء حديثة العهد تتوسد تجاعيد وجهه:
– ما دمت موافقاً فأنا ذاهب لطلب يدها.
لم يعطه الفرصة ليتفوه ببنت شفة، سيطر اليأس على الابن ، سقطت نظراته إلى الأرض ولم يشاهد سوى حذاء أبيه البرَّاق يتجه صوب الباب في خطوات ألبسها الشباب.
انفجر الابن باكيا وهو يهذي:
– لماذا يا أبي؟ ألا يوجد غيرها على وجه الأرض؟ هل تفعل هذا لشقائي وشقائها …. لحرق قلبينا ومستقبلنا …. لهدم أحلامنا … أين أنتِ يا أمي؟….
ثاب إلى رشده، لم يعرف كم مرَّ من الوقت وهو في ثورته هذه، الآلام المبرحة تكاد تعصف بقلبه المذبوح، كلما حاول التفكير في المستقبل أحس وكأنه يفتح على نفسه باباً من جهنم، وجد نفسه عاجزاً عن مواجهة الواقع؛ كيف تكون حبيبته زوجة لأبيه ويعيش معهما تحت سقف واحد؟
بعد معاناة وطول تفكير لم يجد أمامه منفذاً سوى الهروب- بقلبه الجريح وحزنه الكبير- من الواقع المؤلم إلى حيث لا يدري، نهض سريعاً، جمع ملابسه، جلس يكتب رسالة اعتذار ووداع إلى أبيه، أحس فجأة بيد حانية تلمس كتفه؛ استدار ليجد والده واقفاً منكساً رأسه خجلاً هامساً له بكلمات متقطعة متحاشياً أن تلتقي نظراتهما:
– لماذا لم تقل لي يا ابني.
ومضى بخطوات كهلة ثقيلة إلى حجرته وعاد الصمت يلف المكان.
- الصَّمت و الضجيج
- التعليقات