قصة قصيرة الضياع.! ضياع الضيعة ! ضياع العشيرة ! ضياع الهوية! تفكير ينزل عليه سوط عذاب، مطرا مدرارا يحمله على أجنحة الهواجس والوساوس القاتلة، لا يرغب في تاريخ الهزيمة من جديد ،حتما لن يعيد التاريخ نفسه ،ضاعت الضيعة في زمن مضى فلا يجب أن تضيع مرة ثانية . الضيعة قلادة وضعها أبوه على عنقه وقال له :
– الضيعة. أمانة لا تضيعها ! الضيعة عرض ومن لا ضيعة له لا عرض له !
تقتل فيه هذه الهواجس الرغبة في الحياة. تفقده رائحة الشم ,ا رائحة تراب الضيعة يسلب منه الاحساس ويعطل فيه حاسة الشم ،يقولون :
-الجراد يعبر البحار والمحيطات. ويأتي غيمة كبيرة صعودا ونزولا ،تسد جهة الغرب وإذا وطأت جحافله المدمرة اليابسة .تطبق سياسة الأرض المحروقة ،كالنار في الهشيم !تأتي هذه الأسراب الملعونة على الأخضر واليابس، وتمتص الدم وتستبيح الاعراص. فنضيع في متاهات المجهول ،سمع يوما أباه يروي عن جد جده الأكبريقول :
-من يضيع الضيعة يصبح( ذئب الصحراء يعوي بلا مأوى) !!
وما يؤرقه : أن الأهل لا يعيرون أسراب الجراد أدنى اهتمام ، ركبوا عنان شهوات النفس وأصبح العاقل فيهم تكفيه جرعة خمر معتقة تحت أقدام غانبة جميلة ليبيع من أجلها الوطن ، تكفيه لمسة من مؤخرة عاهرة ماجنة ليتخلى عن الأهل والولد والهوية ! حكماؤهم ضيعوا الحكمة ,تصابوا ،عاثوا في الأرض فسادا ، خرجت الضيعة وما يأتي منها وما يمت لها بصلة من قلوبهم الكلسية فلا هم منها ولا هي منهم ،تنافر السماء والأرض !!
الضيعة فندق يعشش فيه الفساد :ماخور عفن تفوح من روائح الخيانة . العاهرة تسود وتقرر مصير هذه الضيعة وأهلها في فراش الكبت والتصابي وفي لحظات بهيمية حميمية . هذا تفكير يأخذ منه العين قبل الحاجب ،يسلبه الإرادة والقوة :
ما يخافه : أن تباع الضيعة في يوم من الأيأم بالمزاد العلني في دور الدعارة .وتباع نساء أهلها في الأسواق السوداء للتجار في البشر، أو ما يسمونه نخاسة القرن العشرين فهم لا يعيرون اهتمامهم ،لخطر ضياع الضيعة !!
-ربما عاهرة واحدة قادرة على تنويم العشيرة بأكملها في حضنها حتى يقضي الله امرا كان مفعولا .
وما يؤرقه أكثر :
-إن الهزيمة سببها امرأة ، والنصر سببه امرأة. فالعاهرة التي طريقها سألك لحافظة النقود ليس غريبا ان يكون سالكا إلى أسرار الضيعة أيضا.والذي لا غيرة له على الضيعة، لن يكون حريصا على أسرارها !!
هؤلاء عبيد المرأة والشهوة ،ففي يوم من الأيام استل منه النوم روحه وسيطر على حسه فرأى فيما يرى النائم أن اخويه يضعان الأصفاد في يديه ويقدمانه هدية لغول مخيف. فيصيح ويستعيث. تضيع صيحاته في العدم .يشق أبوه قبره نصفين ويقوم وكفنه لازال ناصع البياض. يهب لإنقاذ ابنه من أخويه .يصيح فيهم وتضيع صيحاته يمتصها شخبر ذلك الغول. .يكبلون الوالد بدوره بالأصفاد ويقدمونه للغول ،ويقولون له:
– أبقر بطنه فإنه يوقض في أعماقنا عش الدبور ويؤلب علينا مواجع الماضي !
يصرخ أبوه مستغيثا :حصى صغيرة رميت في بئر عميق ، يركل في الفراش ثم يصرخ. يستفيق والعرق يغمره من رأسه إلى اخمص قدميه يمسح على جبينه بكم جلبابه ،يحمدل مرعوبا ويحوقل ويلعن الشيطان.
كان الجراد قد نظم صفوفه في جحافل تسد عين الشمس .وبدأت تتموج صعودا وهبوطا ولا تستقر على.حال ، تراود الضيعة على نفسها. أصدر قائد الجراد أوامره بافتضاض بكارتها بسرعة قصوى، وبأن تنهج هذه الأسراب خطة الصدمة أو الصفعة من الخلف على القفا. .وأن تنتظر هذه الأسراب الملعونة الهجوم حتى يمتطي عقلاء الضيعة صهوة الشهوة ويشل سمعهم صهيل الجنس ، .وتسلبهم اللذة البصر والبصيرة ،عنذاك سيجر البساط من تحتهم وتضيع منهم الضيعة بلا مقاومة .
بدأ حفيف أجنحة الجراد تتلاعب بشعيرات الضيعة ،التي أحست أن التحرش أصبح علنا .ربما تحتاج معتصما جديدا يحمي الأرض والعرض. .فجناة الليل يتربصون بهذه الضيعة الضائعة ليدنسوا شرفها. .ويضعوا رؤوس حكامها في الطين .وهذه كانت أيضا ضمن خطة الهجوم. أحس أهل الضيعة بالخطر المحدق بضيعتهم فأعلنوا حالة الطوارئ .ورفعوا العلم الأحمر :
اجتماع طارئ لاتخاذ القرارات القادرة على إخراج كراسي أعيان الضيعة من عنق الزجاجة.. قام أحدهم إلى منصة الخطابة يدفع أمامه حذبة جمل. .ومن حين لآخر يتلمسها ويمسح على لحيته ،وبنبرة مضطربة قال والحروف تتسارع إلى أنفه :
-يا قوم ما رأيكم في خوض المعركة ضد هذا الجراد ، وعندي في هذه الرأس المكورة خطة نهزم بها الجراد .فما رأيكم ؟؟
عدل أحدهم عش اللقلاق فوق رأسه المسطحة جهة اليمين وفرك شاربه براحة يده وقال:
-فما هي خطتك يا سيدنا.؟؟
صاح جميع الحاضرين بحماس وخوف :
-نحن في حاجة لرايك فالجراد على وشك الهجوم. .هيا أفدنا !
نفش ريشه وشعر بأنه ذا أهمية وقال:
-لقد قرأت في أحد الكتب القديمة الصفراء أن قوم عاد كانوا جبابرة أقوياء فهاجمهم الجراد. فحاربوه بمئات الجحافل من الدجاج وقد استتنوا الدجاج الأسود لأنهم كانوا يتطيرون من اللون الأسود. وأسندت الخطط الحربية للأكبر سنا في معشر الديكة !!
قال آخر وقد عقد بين القميص والسوال صلحا :
-هذا كان في أيام عاد وقومه .أما في أيامنا هذه فقد اكتسب الجراد المناعة الكافية للقضاء على الدجاج.،فالفئران لم تعد تخشى القطط.
وقال اخر :يا قوم ألم يسبق لكم أن سمعتم بأن الجراد كان الأكلة المفضلة للإنسان في عام الجوع ،في الأربعينات من هذا القرن .عندما نفقت أسباب الحياة ..لم يجدوا إلا الجراد ويقولون : إنه كان طعمه لذيذا.
وفي ثورة غضب هستيرية صاح فيهم صاحب الأمانة :
-يا قوم ألم تلاحظوا أنكم انشغلتم بخرافات الماضي وجحافل الجراد قد طوقت الضيعة من جميع الاتجاهات . فقد وصلتني أخبار من الضفة الغربية: انه التهم بساتين الزيتون بالكامل. .وهو يتقدم نحو الجهة الشرقية بسرعة البرق إنه هجوم لم نهييء له ما استطعنا من رباط الخيل .
تدخل أحدهم وقال :
– يا قوم اتركوا هذا الجراد يفعل ما يشاء وعندما نحكم سيطرتنا عليه سنفعل به ما فعل الناس عام الجوع ونقتات عليه ألم تقولوا إنه ألذ وطعمه مستساغ و جميل.؟!
صاح فيهم صاحب الأمانة :
-أنترك الجراد يدمر محاصيل الزيتون والتفاح والغلال المختلفة لنقتات على فتاته.؟!
كان الجراد قد أحكم قبضته على الحقول والبساتين وعاث في الضيعة فسادا واستباح حرمتها .واغتصب بناتها ونكل بشبابها ..خرج صاحب الأمانة من قاعة الاجتماعات وترك أعيان الضيعة وقد وضعوا رؤوسهم تحت الكراسي ليتقوا سطوة الجراد. وهو يردد هذا حلمي تحقق هذه قصة النبي يوسف تتكرر من جديد ،ولازال أعيان الضيعة يحتمون بالكراسي من سطوة الجراد إلى يومنا هذا !!
- الضيعة والجراد
- التعليقات