سَمِعْتُ مُنَادِيا يَدْعُو النَّاسَ إلى البُكاء فاسْتغرَبْتُ، ثم اسْتَجَبْتُ وبَكَيْتُ، أطلقتُ سَيْلا مِنَ الأسْئلة لمَاذا البُكَاءُ وَليْسَ الضَّحِكَ؟ وَ لِلتَوِّ ضَحِكتُ حَتى مَللتُ، وَصِرْتُ مِنْ يَوْمِهَا ضَحَاكًا، ولأنَّهًم رَأوْا فِي أهْلي مَوْقِفاً شاذجا مُسترْخي وعَدِيم الأهَميَّة من الأحْدَاثِ العدوانية، راحُوا يُبَالغون في اسْتبَاحَة الأعْرَاضِ وانْتِهَاك الحُرمَات، ويَا لَهَا من مَشاهد والكوْن عليها شاهدا، ففي كل طريق جَسَدٌ مَذبُوحٌ، وبطنٌ مبْقور، ورَأسٌ مَذبُوح يَتدلى، وآلاف العِمَارات سُويت مع الأرض، ألزَمُونَا بِأن نَتفَرَّج على مَوتانا ونَضْحَكُ، ونبْكي على مَوْتَاهُم ونتأسَّف ثم نَعْتذر، الدُّمُوع التي سالت من عُيونهم ما هيَّ إلا قطرَة من بَحْر الدُّمُوع المَمزُوجة بالدِّماء التي سَكبَتها أمَّهاتنا ومجتمعاتنا، نلتزم الصمت وقلوبنا مركونة تتقاطر إثمًا، حَتَّى صَارَ يُغبِطنا العَالم على الغَبَاء، وأمَّتنا ضائعة، بلغت ذرْوة الإفلاس، رأيْتُ ذَاتَ تفجِيرَات أشْلاء مُتناثرَة، ورؤُوسًا مُتطايرة، وأخْرََى قد أيْنعَت وحَان قطافها، فضَحِكْتُ مُندهشا وتعجَّبت! إنهم يَمُوتُون مِثلنَا يا للعجب، وَفي عَوَاصِمهم تفجِيرَات وخَوْفٌ وَرُعْبٌ؟! اسْتشَاط صَدِيقي غيْضًا وقال بقرَف: كيْف تضْحَك والمشَاهد مُقززة، والأشلاء مُتناثرة؟ ضحِكت مُتألمًا وأخذتُ انبُشُ خلفَ أقنعَة الجَوَاب؛ ليْس لي دُمُوعًا يا صديقي، أنا وأهلي نقف على الهامش، نبتلع أخبارًا كالأشواك، أنا من الذِين قضَوْا العُمُر حَزينا باكيا مُفجَعا مُتوجِّعا،ألوك الهزائم والأمعاء تحترق، بقيَّ لديَّ فائضٌ من الضَّحِك لم اسْتعْمله مُطلقا، ها أنا ذا اسْتهلكُ مَخْزُونِي من الضَّحك، انتفضَ مُحدِّثي مَفزُوعًا وقال: كل حَياتي بُكاء مرًّا يُشبِه النَّوَاحَ، حتى ضَحِك الإعْلام عن بُكائي وأطلقوا عليَّ اسْم البكاَّي.

أضف تعليقاً