سمعا طرقا خفيفا على الباب ، أحجما عن الأكل ، ما زالا في عز العسل ، نهضت وفاء مسرعة ، سألت الطارق عن هويته و غرضه ، أتاها من الخارج صوت منكسر : ” لم أذق طعاما منذ أيام ، أريد ما أسد به رمقي “.
عادت أدراجها إلى المائدة ، انحنت كي تقتطع قسطا من الطعام ، وهي تتمتم : رجل يتضور جوعا يحتاج إلى لقمة .
أمسك زوجها معصمها بشدة ، و نهرها بحدة : دعينا نتناول غداءنا ، و لا تبالي بذاك السائل السافل ، ولو أخذت شيئا ، عصيت أمري ، فلا تلومي إلا نفسك .
تورطت سناء في موقف حرج ، اضطربت ، استفت قلبها ، لم تستسغ أن تستسلم ، و بدا لها أن تغيث الملهوف .
أخذت الطبق كله و قدمته للمتسول الذي لم يرفع عينيه عن الأرض ، كان يخفي ملامح وجهه بلثام أسود ، أتى على الطعام في بضع دقائق ، ثم انصرف و هو يلهج بالثناء .
عندما رجعت إلى المطبخ وجدت عريسها يكاد ينفجر غيظا :
– ما الذي حملك على العقوق أيتها المجنونة ؟
– لم أقم إلا بما يقتضيه الواجب ، ثم إن السائلين ليسوا سواء ، منهم من اتخذها حرفة تدر عليه الربح الوفير ، و منهم المحتاج الحقيقي مثل صاحبنا ، ففراستي لم تخطئ .
– لم يعد لك مقام عندي و لا أمان ، أنت مطرودة ، أنت طالق .
تحملت وفاء الصدمة ، كفكفت دموعها ، و لم تتوان في جمع ما خف من متاعها ، و خرجت دون أن تلوي على شيء . يممت شطر المحطة ، و استقلت القطار صوب بيت والديها .
دار الحول ، سمعت طرقا خفيفا ، فتحت الباب ، طالعها شاب وسيم المحيا ، صحبة كهل ، تبادلوا السلام ، دون أن ينتظرا سؤالا ، بادر أكبرهما قائلا :
– أنا والد هذا الابن البار ، و قد دلني على بيتكم ، راغبا في الاقتران بامرأة تقطن هنا ، أعجب بنبلها و مروءتها .
– إنها هي يا أبي بالذات و الصفات ، إنها هي .
أطرقت سناء حياء ، رحبت بالضيفين و أومأت إليهما بالدخول إلى صالة الجلوس ، نادت والديها ، كان الفرح طائرا بنفسجيا يحوم حولهم ، لم ينفض الجمع إلا بعد الاتفاق على مراسيم الزفاف و كل التفاصيل. مضت أشهر على زواجهما، كانا يرفلان أثناءها في النعم .
في غمرة سعادتهما ، سمع طرق خفيف على الباب ، كان يتأهبان لتناول الغداء ، هرعت وفاء للتقصي ، سألت الطارق عن هويته و غرضه ، أتاها من الخارج صوت منكسر : لم أذق طعاما منذ أيام ، أريد ما أسد به رمقي .
استأذنت زوجها في إعانة المكروب ، رجاها أن تأخذ كل الطعام ، عندما فتحت الباب ، هالها ما رأت : لا يعقل ، ملامحه لم تتغير رغم ما علاها من أوساخ ، لله در هذه الحياة ، كان عزيزا فذل . خر السائل مغشيا عليه . حينما صحا كان يهذي : وفاء ، وفاء . مجنون أنا إذ خنت العهد .
قدمت له الطعام ، أكل بشراهة و هو يبكي . ثم انسحب و هو يتعثر في أسماله الرثة .
عادت إلى حيث يجلس زوجها ، تداري دموعها ، قالت : أتدري من يكون السائل الجائع ؟ حرك رأسه بالنفي ، أجابت بحرقة : إنه زوجي السابق ، طردني ، فلقي جزاءه .
ابتسم زوجها ابتسامة عريضة ، قائلا : أتعلمين من أكون ؟ أنا ذلك السائل
الذي طرق الباب لأول مرة !
- الطارق
- التعليقات