لم يسعدني وجودي كطالب في كلية التربية فهو أمر فرضه معدلي البسيط باختصاص لا أحبه.. كنت مقتنعا بأن ثمة قصصا كتبها (حكواتيه) في زمن ما لتصبح تاريخا ندرسه ونحفظه..
– لابد أن نعرف تاريخنا ..
قال الأستاذ المحاضر.. ثم أضاف
– لان التاريخ يعيد نفسه
– مادام التاريخ يعيد نفسه.. لندرس الحاضر أفضل..
ضحك من في القاعة.. وضحكت أنا أيضا.. ضحك الجميع.. كل منا يضحك على مهزلة حدثت. عبرت مرحلتين بمعدلات متواضعة.. لم أوثق علاقتي بعدد من الطلبة.. إلا صديق واحد سبقني بمرحلة.. كان يناظرني بحب الموسيقى والغناء.. يطيب له أن يسمع صوتي.. وكنت أستمتع بإصغائه.. متعتنا الوحيدة.. كانت الغناء والموسيقى.. إلا أن الفرق بيني وبينه.. كونه يسترجع عن طريق الأغاني تجربة الحب الفاشلة التي مر بها.. أما أنا فلا تجربة لي.. هو له تاريخ.. أما أنا فلا. 
– غريب أمرك يا هاشم.. لك قلب مرهف يسع الجمال.. ولم تتعلق بواحدة؟
– لا أجيد الطيران.. التحليق يتعبني.. لا أجيد التغريد.. ولا التمثيل..
– لكن لك قلب يغني
– أغني ما ردده غيري.. لكن قلبي لايغرد ولا يعزف..
كلما اقتربت طالبة مني أنأى بنفسي عن كل ما يحرك القلب.. لم أكن مستعدا لقبول شريك في حياة أجهل أين تمضي.. كنت أعرف أن الكثير من الطلبة كان يتسلى.. إلا أن هذا النوع من العلاقات لا يسليني..
– “..سمراء ” تميل لك كثيرا..
– من قال..؟ هل أنت متأكد..؟
– تكيل لك المديح.. وحين تمتدح فتاة شابا.. هذا يعني أنها تغرس نبتة للربيع..
– الحمد لله.. أنها تغرسها في الشتاء.. لن تصمد حتى الربيع القادم ..
ابتسم جلال بخبث مألوف ووخزني بخاصرتي
– ولكنك سقيت غرسها بنفسك..
– أنا.. كيف؟
– ألم تقل لها.. بانها شقراء.. وبعيون زرق.. لماذا أسموها سمراء؟
لم أكن أعتقد أني قد تورطت مع “سمراء” بحوار لم أقصد من وراءه غير المجاملة التي فرضتها اللحظة.. والمكان.. حين سألت نفسي عن سر إعجابها بي .. لم اجد سببا معقولا..
– البعض من الفتيات يعجبن بالشاب قليل الكلام.. الصموت.. المنفرد..
– كان يجب أن أكون ثرثارا.. لكي انجو
– على كل حال لا أجد سببا لهروبك.. أنا أراها فتاة مناسبة.. وهي تجربة..
– وهل نجحت تجربتك..؟
– أنا حالة خاصة..
– وأنا ايضا حالة خاصة.. أرجوك لنبق صديقين.. أنا وأنت والأغاني حتى نغادر هذه البناية اللعينة.
– على كل حال .. لم يبق إلا أشهر ..وأغادر أنا الكلية.. وستبقى وحدك.
تعمد “جلال” أن يتيح لي فرصا للقاء “سمراء ” ويختصر التحية حين يجدنا معا.. كنت أقف في مكاني.. لم أسع إلى زيادة المسافة أغو تقليصها بيني وبينها.. حين بدا العام الدراسي الأخير.. لم أجد من يصاحبني في وحدتي غير” سمراء ” وشعرت أن ثمة اتفاقا بين الزملاء على أن الأمر أصبح واقعا.. أصبحت سمراء أكثر سعادة.. وأكثر مرحا.. وأكثر اجتهادا ..وأصبحت أنا أكثر قلقا.. أكثر اضطرابا.. وأقل اجتهادا..
– أنها السنة الأخيرة يا هاشم.. يجب أن تواظب.. لتحصل على الشهادة
– نعم .. الأمر لايحتمل التأخير.. لقد مللت من الذهاب والإياب..
– لعلك تجد وظيفة بعجد التخرج.. كم يكون الأمر رائعا.. لو وجدنا وظيفتين معا.. والدتي قالت أن لها قريبا في وزارة التربية يمكن أن يتدبر الأمر
لقد أدخلت والدتها على الخط.. أصبح الأمر واضحا.. ونسيت الأغاني.. نسيت الموسيقى.. وتعودت على علاقتي مع ” سمراء ” ..لم اجد سببا واحدا يبرر لي الهروب منها .. تعودت على سمراء.. ولكني لم أتمكن من تفسير مشاعري حيالها.. إلا أني كنت متأكدا من مشاعرها.. شغلنا الكثير من الأمكنة والزوايا.. إلا تلك الطاولة المهملة والتي اكتشفتها صدفة.. كنت وحدي .. وكانت وحدها.. ترتدي بنطلونا فضفاضا وكنزة طويلة وتغطي شعرها بحجاب بسيط تخرج كيسا من حقيبتها تتناول فطورها في الفسحة الأولى مع قدح من الشاي.. تنظر لكتابها طوال الوقت ولا ترفع عينيها عنه إلا حين تغادر المكان… لمحت في عينيها بريقا شدني إليها.. تأملت أصابعها النحيفات.. وأنفها المدبب الصغير.. خصلات شعرها الكستنائي وهي تتحرر من أعلى حجابها المشدود دون عناية..عادت الأغاني تهمس في داخلي ولكن هذه المرة تدفعني للتحليق كريشة.. تملكني ذنب شديد حين تذكرت “سمراء “..حين ألقى عليها أحد الطلبة تحية عابرة قفز قلبي.. أدركت أنني قد وقعت في الفخ .. فخ القدر.. لم تفهم “سمراء” سر هذه الغيبوبة التي تصيبني حين تحدثني ولا أنطق بكلمة
– هاشم .. هل انت مريض؟
– نعم .. أنا مرتبك .. أحتاج إلى راحة..
عشقت تلك الطاولة.. خفت من “سمراء ” ..لأول مرة أخاف.. ليس ثمة ارتباط بيني وبينها.. مرضت والدة سمراء بشكل مفاجئ وغابت بضعة أيام.. شعرت بالذنب والراحة معا.. تعمدت في اليوم الثاني أن أضع كرسيا آخر قرب تلك الطاولة.. لم تهتم لوجودي.. أخرجت كيسها كالعادة.. وحين لمحتني أحدق بها شعرت بالإحراج.. أكملت فطورها سريعا ونهضت.. كنت أود الإمساك بها.. لكن دفتر الملاحظات الذي سقط منها أثار انتباهي ..” ورقاء خالد ” قسم الجغرافية .. لم تكن مورقة مثل الشجرة الصغيرة التي تظلل الطاولة.. أشبه بحمامة صغيرة نحيلة تتحرك بسرعة تستفزني وتدفعني للجري خلفها.. أخفيت الدفتر معي.. تفرست في السطور.. حروف كتبت بسرعة.. بذلت جهدا لفك شفراتها.. لم أجد كأثر من ملاحظات بسيطة.. عن الدروس.. شراء بعض الحاجيات.. توقيتات لتحضير المواد الدراسية.. لم أجد شيئا أسبر من خلاله هذه الورقاء النحيلة.. لم أجد حكمة.. قولا.. قصيدة.. أغنية.. ألا تكتب شيئا من مذكراتها؟..
– ورقاء .. من اختار اسمك؟
قلت لها حين سلمتها دفترها.
– خالي .. يرحمه الله.. أنا الأنثى الأولى والوحيدة التي أطلت برأسها وسط ثلاثة أخوة.. قال خالي لأبي حين سمع الخبر.. الآن أورقت شجرتكم.. يا خالد.. فلنسميها ورقاء.. ولكن العلل تكاثرت علي.. ولم أورق.. كما ترى..
– لا.. لا.. أنت ورقاء فعلا..
لا أعرف كيف عزفت هذه الجملة.. أردت أن أغرد.. إلا أن دقات هذا القلب البليد غدت أعلى من صوتي .. أنقذتني بتغيير مسار الحديث..
– قرأت دفتري؟.. خطي رديء.. لا أعرف كيف سأتدبر الأمر مع الطالبات مستقبلا..
– هل ستدرسّين مادة الجغرافية..؟
– طبعا.. أحبها.. وأنت هل تحب التاريخ؟
– لا.. التاريخ ماضي..لا أحبه لأننا نختلف عليه دائما.. الجغرافية أفضل..
– إذن كيف ستدبر أمرك بعد التخرج..
– ربما أجد عملا آخر ليس له علاقة بتخصصي..
– معقول.. تضيع كل هذه السنوات.. لتمضي إلى عمل آخر؟
– لأني لا أحب ما أدرس.. اختاره المعدل لي
– ابحث عن الأشياء الجميلة في الشيء الذي لا تحبه.. سوف تحبه.. لا تكره شيئا فرضته الظروف عليك
كلام كبير.. كأنها تطلب مني أحسم الأمر.. أتاح انشغال سمراء بوالدتها فرصا لكي نقترب أكثر .. كانت تتحدث معي بعفوية لم ألمسها من فتاة.. أردت أنا أن أكون صادقا أيضا..
وجاء اعترافي مفاجئا.. صادما لورقاء..عزفت على كل الأوتار.. إلا أنها تلعثمت.. لم تفارق عيناها الأرض..
– لم يدُرْ في خلدي هذا الامر.. لقد ابتدأت توا.. أمامي أربع سنوات.. لأقرر بعدها.. لم أزل صغيرة على الارتباط .. وتكوين عائلة مستقلة..
ثم ضحكت باضطراب..
– مازلت في حضن أمي.. ولم أعدَّ نفسي لأكون اُمّاً..
كانت أناملها النحيفة ترسم على الدفتر اشكالا متعرجة ..قاومت هزيمتي الاولى لأنظر لوجهها ولو للمرة الأخيرة.. اندفعت الدماء إلى تلك التفاصيل الحادة وازداد لمعان العسل في مقلتيها.. ولأول مرة أراها مورقة بحق.. كأن عزفي قد أيقظ فيها كائنا نائما.. غرست بذرة ربيعية قبل أوانها فأربكت كيمائية هذا الرأس الصغير.. أدركت أنني كائن مضطرب.. مبعثر.. عشوائي.. غير متوازن.. هربت.. من أول نزال.. هربت رغم معرفتي بان الشجرة الصغيرة قد أزهرت على تلك الطاولة المهملة.. إلا أن ثمة خريفا قد بدأ في داخلي.

أضف تعليقاً