تربت سليمة في بيئة ريفية جميلة، وكان والدها الفلاح حريصا على تعليمها، فكان يوصلها يوميا الى مدرستها ويحرص على توفير كل ما تحتاج إليه كي تنجح في مشوار دراستها.
كبرت سليمة، وكبر طموحها، وكانت تحرص على الإهتمام بدراستها كي تنجح وترد جزءا من جميل والديها، فقد أحبت دراستها بصدق، وكانت تساعد أمها في البيت وأباها في مزرعته وفي رعي الحيوانات والإهتمام بها.
لاحظت سليمة أن أباها يتعب كثيرا في الإهتمام بحيواناته ويدللها، فهي مصدر رزقهم الوحيد.
في إحدى الليالي وصل مخاض إحدى بقرات عمي سعيد فبقي بجانب تلك البقرة يساعدها وطلب زوجته وابنته سليمة لتقدما المساعدة، لكن عملية الولادة كانت صعبة جدا ولم يستطع عمي سعيد فعل شيء، فلا طبيب بيطري في المنطقة ولا وسيلة اتصال تحل المشكلة. فماتت البقرة المسكينة وحزنت العائلة حزنا شديدا، وبكت الطفلة سليمة بكاءا شديدا وأحست بالعجز أمام هذا الوضع.
استمرت حياة العائلة، وولدت بقرة أخرى بعد أيام ولم يكن هناك أي طاريء، لكن البقرة الأولى تركت في نفس الطفلة سليمة حزنا عميقا.
واصلت سليمة دراستها واجتهادها، الى أن تحصلت على علامة ممتازة في شهادة الباكالوريا، وكانت زميلاتها يغبطنها على معدلها العالي، فاختارت بلا تردد تخصص الطب البيطري حتى تساعد أباها وتخفف عنه تعبه وتهتم بحيواناتهم.
دخلت الشابة سليمة الى معهد الطب البيطري، وكان الكل يلاحظ تفوقها وحبها لهذا التخصص، وأصبحت سليمة مثل الطبيبة البشرية في قريتهم، تقرأ الوصفات الطبية وتقدم النصح حول شرب الأدوية، وتنصح أباها في طريقة تربية حيواناته وتحديث مزرعته.
مرت السنوات بسرعة، وتخرجت سليمة طبيبة بيطرية، وفرح أهلها بها فرحا شديدا وأقيمت وليمة كبيرة على شرف تخرجها، حضرها الكثيرون من أهل القرية ومعارف العائلة.
وبسرعة افتتحت سليمة عيادتها البيطرية في المدينة القريبة من قريتها حتى تقدم الخدمة لأكبر عدد من الفلاحين، وصارت في فترة قصيرة مقصد الكثيرين، فهي ماهرة في عملها ولبقة في تعاملها، وعطوفة على الحيوانات.
أحبها اهل قريتها وأهل المدينة، وكانت ترفض طلبات الزواج خارج محيطها حتى لا تغادر من أحبوها فتحرمهم من خدماتها.
صارت الطبيبة البيطرية ملجأ المرضى من قريتها وحتى من أهل المدينة المعزولة، وإشترت من اجل ذلك العديد من كتب الطب البشري حتى تقدم المساعدة اللازمة، فهذا يشتكي دودا في بطن ولده، وآخر انتفاخ اللوزتين، وآخر يحتاج إبرة لزوجته ولا يستطيع الوصول كل يوم الى مستوصف المدينة وآخر وجع ضرس فيطلب النصيحة أو الدواء، فصارت بحق متعددة المهام، وأحست نفسها طبيبة للإنسانية بحق.
وفي ليلة شتوية باردة، دق باب بيتهم رجل يرجف من البرد والخوف، ولا يستطيع الكلام من شدة ما ألم به. لقد جاء يطلب سليمة البيطرية لمساعدة زوجته التي تعسر عليها أمر الولادة، فهي طبيبة ويمكنها ربما تقديم المساعدة في هذا الوقت الصعب والطرق المغلقة.
قبلت سليمة المهمة أمام تشجيع أمها، وحيرة والدها، والتحقت ببيت السيدة بعد ان أخذت معها بعض المستلزمات التي قد تساعدها في انقاذ المرأة.
استطاعت انقاذ المرأة ومولودها بعد صبر وعناء، وأكملت ليلتها هناك وعادت الى بيت أهلها مع بداية اليوم الموالي، وذاع صيتها أكثر في وسط اهل المدينة والقرية وصارت بحق طبيبة الإنسانية ورحمة لأهل مدينتها وقريتها.
نزل بالمدينة طبيب شاب خلوق تم تعيينه حديثا في مستوصف المدينة، فسمع بقصة الطبيبة البيطرية وأعجب بها أيما إعجاب، فطلبها للزواج، فقبلت لأنها وجدت فيه من المواصفات ما تتمناه أي فتاة فقبلت على أن يسكنا في المدينة ولا يحرمها شرف مساعدة الناس وإكمال مهمتها، فوافق، وتم حفل زواج كبير حضره كل أهل المدينة وأهل قريتها.
صارت قصة سليمة، قصة جميلة يعجب بها الناس وتفتخر بها الفتيات.

أضف تعليقاً