الشمس متربعة في السماء ترسل أشعتها العذبة الدافئة ككل يوم، والناس يجرون ويتجارون ليلحقوا بالركب السريع… يجرفهم التيار وتسوقهم الأقدار.. ظلوا طريقهم؛ فصاروا يتخبطون في بحر من التيه، يلهثون وراء أحلام كالسراب وقد تمزقت صفوفهم وانهارت قصورهم وذبلت حدائقهم…

بقبعته الصوفية التي تغطي جبينه العريض، يمسك بقبضتي يديه على طرفي معطفه. دب يمشي بين الأمواج البشرية مطأطأ الرأس، متسارع الخطى، يتطاير من عينيه حقد كالشرر، ودقات قلبه تتسارع بشكل عنيف. يلتفت وراءه مرارا وتكرارا؛ وكأن خطر وشيكا يداهمه… توقف عند موقف الحافلات ينتظر وينظر إلى ساعته بقلق وأنفاسه تتردد مجهدة. توقفت الحافلة، فصعد وتتسلل بين الحشود؛ فتلقته رائحة العرق التي تزكم الأنوف! نساء ورجال وصبيان؛ صخب عارم..

تنطلق التعليقات من هنا وهناك تشتكي من ارتفاع الأسعار و شح الأمطار في هذه السنة العقيمة.. يشكون الحال والحال يشتكي..!! سار بعينيه في وجوه الراكبين يرمقهم بنظرات شزراء ناقمة وكأنهم حثالة الأرض. فجأة استوقفه وجه بريء ينظر إليه ويبتسم، طفلة تنبع الحياة من عينيها وتتدفق من جسدها الصغير.. بدا وكأن ذاك الموج العنيف بداخله بدأ يهدأ، وتسلل إلى صدره إحساس غريب، لكنه جميل، دغدغ مشاعره ليذيب جبل الجليد المتكوم فوق قلبه الميت، فبدأ يدق دقات دافئة محبة.

وفي لحظات عاد إلى أصله وعادت روحه النقية إلى جسده، بعد أن اجتثت منه وطردت بعيدا لتحل محلها سحب كثيفة من الألم والغل.. وجد في عينيها عالما جميلا فرحل معها ليعود به الزمن إلى الوراء.. إلى طفولته المحرومة والمرتعبة على هامش الحياه الراكضة نحو النهاية..!

انتفض يتحسس خده وهو يتذكر كل تلك الصفعات الجنونية من أبيه المتسلط السكير وهو طفل لم يبلغ السابعة من العمر. لم يحرم رفاهية العيش بقدر ما حرم من دفء المشاعر وحضن محب يغمره وقبلة حب يستمتع بحرارتها على خده وكلمة ود تنتعش روحه بسماعها… بعد أن آوى أمه التراب وجد نفسه وحيدا ملقى على هامش الدنيا، فهجر البيت؛ فعانقته الشوارع بظلمتها ترمي به من زقاق إلى زقاق حتى ترصدته عيون تجيد تضميد الجراح وتدعي أنها تنقي الأرواح من قذارة الآثام..! تلقوه كالطائر الجريح، ألبسوه عباءة بيضاء وأنبتوا الزغب الكثيف في ذقنه وشحنوا رأسه بأفكار غريبة عنه ومفاهيم لا يعرف فحواها، وطوقوا جسده…
خرج من ذاك العالم الجميل، عاد وقد اعتلته حيرة اجتاحت وجدانه كالتيار العنيف، يضعف ويقوى وعاقبة ما أمر به تتجسد أمام عينيه كمشهد سينمائي مرعب، لكن ذاك الصوت اللئيم لا ينفك يردد في ذهنه: الجهاد.. الجهاد…

كان يلهث ويتصبب عرقا وكله إدراك بهول ما سيفعله، لكنه ينتظر ما سيؤول إليه الصراع المحتدم بداخله… وبعد لحظات، انطلقت منه زفرة مخنوقة؛ وكأنه عاد من بحر الظلمات. رفع رأسه نحو الأفق وشعر بدقات قلبه تتضاءل وشفتاه تتمتمان بالشهادة… أغمض عينيه لعله يجد نورا يرشده في رحلته الأبدية. وفي لحظات تناثر كل شيء.. هوت الأحلام.. وانطوى العمر المرير…

أضف تعليقاً