في فناء درناوي عتيق، تستنشق ريم عبق الياسمين الحزين، ذكرى خطوات الراحل تلفح روحها. على البلاط البارد، رسمت خطواتها خريطة وجع دفين، ترانيم خريف باهتة. عند سنديانة شامخة، شهدت همسات عشقهما المتوارية كأسرار الليل، استقر ظرف مطوي، جرحا أبيض على صدر الأرض المعتم.
ارتعشت أناملها كأوراق خريف وهي تفض ختمه المثقل بأسرار الغياب. لم يحمل تاريخا، لكن كلماته كانت سهاما مسمومة مغروسة في قلبها المثخن: “سأغيب طويلا يا حبيبتي، لكن ذكراي عطر يتضوع أسى من ياسمين هذه الرسالة. هناك لغز جاثم ينتظر كشفك، سر يقلب يقينك ويزلزل أحلامك.”
تجمدت، كغصن عار في مهب إعصار. أي حجاب أسدله مصطفى على وجه الحقيقة الغائب؟ لم يعد الأمر نوحا على أطلال حب متهدم، بل سعيرا داخليا يلتهم صبرها الهش، وبحثا محمومًا عن إجابات تروي ظمأ يقين متصدع.
انطلقت في رحلة شاقة عبر متاهات الذاكرة المعتمة، تستنطق صمت لحظات تلاشت كفقاعات صابون، وهمسات عشق باهتة، وحتى غيوم خلافات لوثت سماء علاقتهما الصافية، علها تظفر بخيط يقودها إلى جوهر السر. طافت بأماكنهما المشتركة، تستجدي جدرانها الصامتة، واستنطقت وجوه معارف شاحبة، ترجو شعلة تضيء عتمة جهلها.
ذات يوم، بين طيات كتبه القديمة التي تحتضن عبق أيامه كأزهار مجففة، عثرت على ورقة مطوية، سرا دفينا في ديوان شعر عتيق. خريطة لجزء عتيق من درنة، بوصلة صامتة تشير بإلحاح إلى بئر مهجورة، وحش خرافي يتربص في طرف الحي.
تسمرت في مكانها، وبرودة غريبة تسري في أوصالها كهمس خفي من القدر. أهناك يرقد السر في جوف البئر المظلم؟ نحو الهاوية اتجهت بخطوات متثاقلة، وقلبها يخفق كطائر مذبوح. نظرت إلى الداخل، فوجدت الظلام يبتلع النور، ورائحة الرطوبة تخنق الأنفاس. لكن عينها الثاقبة التقطت حجرا بارزا في الجدار الرطب. ضغطت عليه بوجل، وصدى طقة خافتة مزق الصمت، ليكشف عن فم خفي. في كفها المرتجفة استقر صندوق خشبي صغير، تابوت ذكريات دامية. بتردد، فتحته، فوجدت رسالة أخرى بخط مصطفى الشاحب، ودمعة مجمدة في هيئة مفتاح صغير يلمع بحزن دفين. اعترف النص بمرارة مشاركته في عمل سري يلفه الغموض قبل غيابه، عمل يلفها الآن بظلال الخطر القاتمة. المفتاح يفتح خزانة صغيرة، شاهدا أخرس على أسرار الماضي الدفينة في غرفة دراستهما.
عادت إلى المنزل، وقلبها يتأرجح بين خوف بارد وتوتر متصاعد. فتحت الخزانة، لتنبثق منها ملفات ووثائق وصور تفضح شبكة مظلمة كان مصطفى يحاول تقويض أركانها الفاسدة. لم يكن الموت قدرا، بل يدا خفية أطفأت نوره الشجاع، لتجد نفسها فجأة في أتون سره القاتل.
وجدت نفسها وحيدة، على مفترق طرق قاس: هل تقتفي أثر الحقيقة الملطخة بالدماء وتواجه العاصفة بكل قوتها، أم تدع الماضي يرقد في مقبرة الذكريات الباردة، وتلوذ بظل النسيان الآمن؟
- الظل الخفي
- التعليقات