تمكن منهم الجدب والقحط .ضمر الضرع. واحترق الزرع .نضبت الغدران .وجفت ا الآبار. ..وسكنت أصوات المعاول والفؤوس .ونفق كل ما يدب بالحياة في هذه القرية..التي هجرها سكانها نحو المدن طلبا للقمة عيش تسد رمق صغارهم …دامت المحنة سنتين متتاليتين. ..أصبحت القرية تجتر اللاشيء في بطنها الذي خلا من آخر قطرة ماء..
تسرب شبح الموت إلى كل بيت ودشر .فمن لم يقتله الجوع ،قتلته الحسرة على الذين
ماتوا. فأصبحت رائحة الموت في كل مكان ، تدبر كبير القوم أمره:
-فليعلن المنادي عن اجتماع طاريء في المسجد الذي هجره الصغار والكبار !!فلولا الخبزلما كانت هناك صلاة ولا عبادة !!
اجتمع سكان القرية عن بكر ة أبيهم ،لابد وأن سيد القبيلة قد هداه ورعه وتقواه إلى فكرة تخرجهم من عنق الزجاجة · عم الهرج والمرج ،تسمرت العيون في المحاجر ،وتجمد الدم في العروق ، قبضته على مقبض عكازته ، صاح فيهم :
-أيها القوم : إن الله يعاقبنا على أفعالنا ،تمتليء المخازن والقلال بالسمن والعسل فلا
تدفعوا الزكاة ،تمتليء جيوبكم :عندما تجود عليكم الأرض بما تملك من خيرات ولا تبخل عليكم .فتجازونها بتدنيس تربتها الطاهرة بالخمور والليالي الحمراء وتعيثون فيها فسادا :إنه العقاب الجماعي يا قوم. !!
ألصقوا جباههم بالأرض : ندما وخجلا من أنفسهم ، ثم حرك عكازته ذات اليمين وذات الشمال ، ومسح فوق رؤوس الحضور بنظرة عتاب :
-من البريء فينا أيها القوم ؟!
بصوت واحد :
-الصغار.!.الصغار.!.الصغار .!.البنات عذارى ،والأطفال لم يذوقوا ملذات الحياة بعد والبهيمة أيضا!!
-إذن فلتغتسلوا وتتطهروا جميعكم ،وأتركوا كل شيء وراءكم، واحضروا غدا إلى المسجد وفي طليعتكم .الصغار والبهائم !! وبعد صلاة الظهر ،سيقوم الأطفال ونحن من ورائهم بطقس (تاغونجة ) فقد كان أجدادنا يمارسون هذا الطقس فيستجيب الله لاستعطاف الأبرياء فيغفر ذنوب الكبار ببراءة الصغار .وينزل المطر وتخضر الأرض وتجري الغذران
وتحيا الحياة من جديد، ويموت الموت ، وتتلاشى علامات الجوع والعطش !!
ردد الصغار :(تاغونجة يا أم الرجاء !! أعطينا الشتاء ) وهم يحملون العرائس المزينة بأوراق النعناع .أما الكبار فبخشوع مبالغ فيه ممزوج بدموع مخنوقة يرددون :
-( اللهم إرحم عبدك واسق بهيمتك !!!)
جابوا الحقول والغيطان .وعبروا السواقي والأنهار والغدران .وقد اختلط صراخ الأطفال بعويل النساء ،في حين غمرت الدموع عيون الرجال ،وكلهم أمل في نزول قطرات المطر وبزوغ شمس الأمل وعودة البسمة إلى تلك الأفواه المتشققة اليابسة .
ما بالها لم تشرق هذا اليوم مبكرا كما عودتنا عندما كانت تمعن التحديق بمجرد ما يطأ أول أشعتها أديم الأرض ؟ وما بال تلك الريح الحارة التي تلفح الوجوه تحولت إلى نسيم عليل قادم من جهة الجنوب يدغدغ تلك الوجوه الشاحبة .إنه قادم من (عين الشتى).!! هذه علامات الخير وتباشير قدوم الطلائع الأولى للأمطار كما يقول العرفاء الذين خبروا أحوال الطقس بالفطرة وفراستهم لم تكذبهم في يوم من الأيام !!
-ربما ستمطر غدا أو بعد غد ، لا يهم متى وأين ! المهم هو أن تمطر !!
تكونت غيمة كبيرة في أعماق السماء ثم بدأت تنتشر من الشرق إلى الغرب كقطرة زيت في خرقة بيضاء ،.وفي الجهة الجنوبية المحادية للجبل ظهرت غيمة أخرى اكثر حلكة وسوادا ثم ثالثة ورابعة ،فانتشرت السحب بكثافة ، وحجبت عين الشمس التي بالغت في الاحمرار خجلا ! تتحد الغيوم ، تتشابك ،يحتك بعضها ببعض ،تشتعل السماء من الشرق الى الغرب ، إنه البرق ،يرسم أشكالا أشبه بالشقوق قي حائط خرابة قديمة ،يقعقع الرعد ،ترتعد الفرائص ، يصم صوته الآدان ، ويخطف برقه الأبصار ،كل ذلك يهون ، ما دامت ستمطر ، !!
يتعرق وجه السماء ، يعتصر بلورات كبيرة ، وكويرات ثلجية زجاجية ،فينزل الغيث مدرارا ! تستفيق الأرض من سباتها العميق، تتسربل بالدمقس والحرير ، وترفل في الجمال. تستعيد بهاءها ونضارتها ، طاووس يستعرض مفاتنه أمام أنثاه ،أو عروس في ليلة دخلتها !!
تجري المياه في السواقي. .وترتوي الحقول والغيطان العطشى ،إنها الحياة تعود من جديد.كانت سنابل الحنطة تتمايل وترقص على إيقاعات خرير السواقي وأنغام الجنادب
والصراصير وخشخشة جيوش النمل في حركته الدائبة تحت سيقانها . .كل شيء عاد للحياة : الضرع امتلأ خيرا بعد اجتفاف حد التشقق والزرع اخضر بعد احتراق ،انتعشت آمال القرويين …وكبرت أحلامهم وشكروا النعمة !!
لكن لله في ملكه شؤون، فجأة انشقت السماء نصفين ولمع سماء القرية وتحول نباح الكلاب إلى عواء في ذلك اليوم المشؤوم : العواء ندير شؤم في عرف القرويين . بدأت خيوط النار تدغدغ الأشجار والأحجار وكل ما علا وارتفع في تلك القرية ..حتى المسجد أصابه خيط البرق.!!! تحول الليل البهيم إلى كتلة من نار .تلاعب كبير القوم بشعيرات لحيته ونظر إلى زوجته تحضن صغارها الذين أصابهم الخوف فهم ليس لهم عهد بهذه العاصفة العنيفة. قال لها والخوف والقلق يعتصر قلبه :
-هذه العاصفة لم يسبق لنا أن عشنا مثلها منذ عشرات السنين !! اللهم لطفك يارب.!!! كانت العفاريت الضوئية تلهو فوق تلك السحب النارية وتقدف القرية شجرها وحجرها وحقولها بكويرات البرد .القرية تحترق ،القرية ترجم كامرأة طبق عليها الحد.!!
زاد اشتداد العاصفة قلق القرويين الذين بدأ اليأس يدب في قلوبهم.عند تباشير الفجر بدأت وطأة العاصفة تضعف ولمعان البرق يخبو شيئا فشيئا ، تحول لمعانه وميض نار تحت رحمة كير مثقوب .خرج القرويون لتفقد ماحل بحقولهم وانعامهم.. فتعالى نواح النساء واشتد نباح الكلاب وصراخ الأطفال.العاصفة حولت الحقول إلى عصف ! !درست لهم المحصول قبل أن يحصدوه .دمرت كل شيء ..جرفت السيول كل شيء إلا ما هان عليها ..تجمع الرجال في المسجد يعتصرهم الحزن والحسرة على محصول كان قاب قوسين أو أدنى من بيادرهم ومخازنهم ..قالوا بصوت تخنق
الحسرة والحزن والخوف من المستقبل بصوت واحد :
-لم تقل لنا شيئا يا كببرنا ؟!
أطرق صامتا ثم رفع كفيه إلى السماء وقال بنبرة حزينة تخنقها العبرات المكتومة :
– اللهم نحمدك على ما أعطيت ونحمدك على ما أخذت ،اللهم أنت العاطي وأنت الآخذ.!!
ثم جهش في بكاء متقطع مكتوم !
أمال الجميع رؤوسهم فوق صدورهم ،تدلت ،كادت تلامس الأرض :.منهم من يحبس نحيبه بين ضلوعه ،و منهم من يخط الأرض بعكازته ويرسم خربشات الهديان .ومنهم من يعض على أصابعه ويلطم خذه ،كل منهم يعيش الكارثة وفق رؤيته الخاصة ومدى قدرة على التحمل!!!.

أضف تعليقاً