ـ حسناً، يا حبيبتي… لا تقلقي!
قالها عبد الملك وهو يبتسم لزوجته ندى التي كانت من جانبها تنظر إليه بقلق وهو يعقد ربطة عنقه أمام المرآة…
عادت لتقول:
ـ لكن، يا ملك…
استدار نحوها برفق وقال:
ـ لكن السيارة بحاجة إلى صيانة… أنا أعرف ذلك، يا ندى، لكن سفري ضروري، ولا مجال لتأجيله بعد أن تقرر تحت حكم الظروف القسرية. أنت تعلمين أني كنت أنوي السفر الأسبوع القادم ولكن ظروف العمل اضطرتني إلى تقريب الموعد.
نظر إليها فوجد مسحةً من القلق في عمق عينيها رغم محاولته طمأنتها. اقترب منها بلطف وطبع قبلةً على جبينها قبل أن يعود ليقول:
ـ أعدك على كل حال بالقيادة المتزنة، ولن تقع مشكلة إن شاء الله!
تركها وتوجه نحو غرفة الأطفال… دفع الباب بهدوء ودخل فسمع إيقاع تنفس أطفاله الثلاثة الرتيب.
تنقل بنظره بين الأَسِرّة الثلاثة فشعر بالدفء يسري في أوصاله. اقترب من السرير الأول ودثر ابنته البكر سارة بالغطاء المتجمع بقربها وابتسم قليلاً. لقد ورثت هذه العادة السيئة عنه فقد كان يمعن في تجميع الغطاء في إحدى زوايا السرير قبل أن ينام.
طبع قبلة حنان على جبينها قبل أن ينتقل إلى السرير التالي.
كالعادة وجد ابنه مصطفى في وضعية كاريكاتورية، فقد كان رأسه محشوراً بين الوسادة وعارضة السرير بينما تصالبت ساقاه. أعاده إلى وضعية صحيحة وبينما كان يدثره فتح عينيه ونظر إليه.
لا شك في أنه لم يستيقظ تماماً فقد بدا واضحاً كده في التعرف على أبيه وسط عتمة الغرفة المضاءة بضوء خافت جداً. اقترب منه عبد الملك وهمس في أذنه:
ـ لا تخف، يا مصطفى… هذا بابا جاء ليطمئن عليك!
أحاطه الولد بذراعيه وطبع قبلةً على عنقه… قبله عبد الملك بدوره فعاد إلى النوم بالسرعة نفسها التي استيقظ فيها.
غبطه عبد الملك لخلو ذهنه من الهموم. وهل يعرف طفل عمره ست سنوات الهمّ؟
انتقل إلى السرير الثالث فوجد عدنان ذا السنوات الخمس يغط في نوم عميق وقد حافظ على وضعية غطائه على عكس إخوته… فضل عدم الاقتراب منه خشية إيقاظه.
غادر الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء…
وقف في بهو المنزل لأداء صلاتي الفجر والسفر. بقي زمناً طويلاً جالساً على سجادة الصلاة وهو يسبّح الله ويدعوه ثم نهض وانتعل حذاءه وارتدى معطفاً معلقاً قرب الباب الخارجي وتناول حقيبةً سوداء.
اقتربت منه ندى بلطف فأحاطها بذراعيه وقبّلها بحنان ثم قال لها:
ـ سأكون هنا قبل حلول الليل، إن شاء الله، يا حبيبتي.
سلك الدرج ثم خرج من البناء فشعر فوراً ببرودة الجو في هذه الفترة من بداية الخريف.
صعد إلى سيارته ووضع الحقيبة على المقعد المجاور له قبل أن يدير المفتاح في مكانه المخصص. علا صوت المحرك ليخترق صمت الليل لكن عبد الملك تريث قليلاً حتى تصل حرارته إلى الدرجة المناسبة ثم انطلق بهدوء.
اتجه غرباً للخروج من المدينة. كان الهدوء يعم الشوارع في هذه الساعة المتأخرة من الليل…
التحق بالأوتستراد المتجه إلى العاصمة.
تمنى أن تسير الأمور دون عقبات طارئة لكي تتسنى له العودة اليوم دون الاضطرار إلى المبيت في العاصمة.
صحيح أن كل أوراق معاملة استيراد الآلة التي يحتاجها في مصنعه الصغير موجودة هنا بعد أن كد كثيراً في استخراجها وتجهيزها، لكن من يدري؟ كيف يمكن نفي احتمال نقصان ورقة ضرورية؟ أو نفي احتمال قيام موظف تافه بعرقلة سير المعاملة بأكملها لأي سبب من الأسباب؟
شعر فجأةً بوهن كبير…
الوهن والملل من آلة المصنع ومن المصنع ومن العمال… الملل من تسلسل الأيام بروتينها القاتل… الملل من ضياع العمر والأحلام!
بدت له حياته وهو على أعتاب الأربعين من العمر، كصحراء قاحلة ليس فيها سوى بعض الواحات الصغيرة.
صحيح أنه لم يكن ليعاني من مشاكل كبيرة، وأنه كان يحب زوجته وأولاده حباً جماً وصحيح أيضاً أنهم كانوا فيما يخصهم يحبونه كثيراً، بل إنهم كانوا لا يألون جهداً في سبيل إسعاده.
لكنه بالرغم من ذلك كله كان يشعر بفقدان حلقة أساسية من السلسلة لم يستطع تحديدها في البداية…
لكنه عرف مع الوقت أنها الرغبة…
الرغبة في الاستمرار والرغبة في التقدم والرغبة في رغبة الأشياء.
كان يتساءل في لحظات يأسه العميق عن جدوى وجود الإنسان على الأرض ما دام موعوداً بالفناء.
كان يعلم بطبيعة الحال نهي الشرع عن الخوض في مثل هذه المواضيع لكنه، ومع محاولته الصادقة بالالتزام بتعاليم الشريعة والدين، كان يجد نفسه قسراً أمام هذه الأسئلة العميقة والدقيقة والتي كانت تجعله يرى العبثية في كثير من مظاهر الحياة المختلفة.
تثاءب بشدة وحاول التركيز على القيادة، فهو لن يجد بالتأكيد أجوبةً عن أسئلته العديدة، هنا والآن.
بدأت أضواء الفجر الأولى في احتلال مكان ظلمة الليل. نظر إلى الساعة ليجدها تشير إلى الخامسة… لقد انقضت ساعة منذ بدء سفره…
أدار مفتاح المذياع فانتشر صوت فيروز العذب ليملأ السيارة. رأى سرباً من الطيور يحلّق في السماء على ارتفاع قريب فشعر بنشوة فجائية. ومع تسارع إيقاع الأغنية وبزوغ أشعة الشمس الصريح شعر باعتدال مزاجه.
نسي فجأةً كل الأفكار السوداء التي كانت تدهمه منذ قليل وفضل ترك كل الأسئلة المحيرة التي كانت تعاوده مراراً دون إجابات حتى إشعار آخر.
راح يدندن مع فيروز أغنيتها الخالدة “طير الوروار” في حين راحت أصابع يديه تتراقص على المقود. زاد من ضغط قدمه على مرجل السرعة فانطلقت السيارة كالسهم.
لمح جراراً زراعياً آتياً من طريق ترابي للالتحاق بالأوتستراد فلم يعره أي اهتمام بعد أن بدا له الوقت كافياً لتجاوز الطريق الفرعي قبل وصول الجرار.
لكنه شعر فجأةً بهلع هائل عندما رآه يندفع بسرعة باتجاه الأوتستراد. أدرك فجأةً أنه يريد عبور الطريق قبله!
بدا له تفادي الحادث مستحيلاً إن لم يتوقف أحدهما…
ضغط على الفرامل بمنتهى القوة فشعر باختلال توازن السيارة فجأةً بينما تراءت أمامه صورة ندى وهي تلح عليه بعدم السفر قبل إجراء صيانة للسيارة…
بدا له أن الزمن قد توقف مع لحظة انقلاب السيارة… فقد قدرته على التفكير في أي شيء ولم يخطر بباله سوى أنه فلينة صغيرة لا حول لها وسط أمواج البحر العاتية…
لمح الجرار وهو يقترب بسرعة هائلة…
شعر بتصادم الآليتين بشكل رهيب بينما ارتطم رأسه بعنف جنوني بالزجاج الأمامي للسيارة الذي تحطم على الفور.
أحس بألم صاعق يخترق دماغه. تراقصت صور متتابعة في عمق شبكيتي عينيه، بعضها صحيح الاتجاه وبعضها مقلوب، ثم انقضى زمن لم يستطع تحديده لكنه خاله دهراً حتى استقرت السيارة بوضعية نهائية وقد توجهت عجلاتها للأعلى…
عرف فوراً أنه ما يزال على قيد الحياة لكنه عرف أيضاً أن إصابته خطِرة جداً، إذ أن الدم الغزير كان يتصبب من أماكن عدة من جسمه.
حاول التحرك فشعر بألم شديد في ظهره وفي أطرافه السفلية. وجد صعوبةً بالغةً في التنفس وشعر بضغط رهيب على حجابه الحاجز لم يعرف سببه.
وصلت إليه أصوات خافتة كأنها آتية من خلال حاجز كتيم. شعر بهلع هائل عندما خطر بباله أن سائق الجرار لا شك قد مات… فلئن وجد من جانبه بعض الحماية داخل حديد السيارة فإن المسكين قد تعرض حتماً للصدمة مباشرة.
خطر بباله الاستعانة بالهاتف الجوال لطلب المساعدة لكنه لم يقدر على الحركة مجدداً.
أحس بعطش شديد أضاف إلى معاناته بعداً أكبر ثم ومض فجأةً نور هائل في عمق عينيه وسرت سكينة عجيبة في أوصاله…
رأى نفسه يسير بداخل نفق في نهايته ضوء مبهر…
فقد إحساسه بجوارحه، بل إنه شعر بنفسه خفيفاً يكاد يطير… زال النفق من حوله دون أن يعير ذلك أي اهتمام إذ كان في قمة السعادة…
لم يخطر بباله الحادث والأوتستراد والسيارة والجرار… مطلقاً!
كأن ذلك لم يحدث أساساً…
كان يشعر فقط بنشوة هائلة تكاد تقذفه قذفاً في بركان من اللذة والسعادة.
راح يطير فرأى رجلاً يقترب من بعيد باتجاهه فحاول التعرف على ملامحه دون جدوى. بدا له فقط أنه يرتدي لباساً أبيض كاملاً.
مع اقترابه أكثر أمكنه التعرف عليه. لم يستغرب ابتسامته الوديعة. شعر برغبة في الطيران نحوه لكنه لم يقدر على ذلك.
ناداه بأعلى صوته:
ـ أبي… يا أبي!
نظر إليه أبوه بحزن قبل أن يختفي في زوبعة من الضياء.
تذكر فجأةً يوم موت أبيه.
إنه يقف الآن على حافة قبره… إنه يكاد يسمع الصوت نفسه وهو يقول له:
ـ لن ترى أباك بعد اليوم… ليس هنا… لن تراه هنا!
نظر أمامه مجدداً فوجد نوراً هائلاً يمتد من اللانهاية إلى اللانهاية. تمنى من كل كيانه رؤية أبيه مرةً أخرى.
خطر بباله أن يمد يديه لفرك عينيه لكنه أدرك أنه بلا عينين وبلا يدين… بلا شيء بالمطلق بعد أن فقد تماماً إحساسه المادي.
وجد بنفسه القدرة مجدداً على الطيران فانطلق بسعادة متزايدة.
رأى الأرض كأنها نقطة صغيرة وسط الملكوت الهائل من السموات التي احتوت كواكب عديدة وشعر بسرعته تزداد بشكل خيالي… وفجأةً توقف في مكانه.
رأى امرأةً ممددة تصرخ. راعه مظهر العرق الغزير الذي ألصق شعرها بجبهتها وبوجنتيها. رأى وليداً يخرج من بين ساقيها… رأى نفسه…
رأى نفسه!
استغرب كثيراً وجوده هنا وهو يراقب ولادته من علو. خطر بباله الاقتراب للاطمئنان على أمه فلم يقدر وكأنه متسمّر في المكان.
هبّ دخان كثيف حول المكان آخذاً معه المرأة وإياه…
حاول معرفة مصدر هذا الدخان دون جدوى لكنه انحسر فجأةً لينبثق من بقاياه صبي صغير راح يلعب في الزقاق… زقاق يشبه حارة بيت أهله القديم!
وصبي اسمه عبد الملك!
رآه يركض نحو السماء دون وسيلة تعينه… كان فقط يرتقي في الجو…
بدا له الأمر مثيراً!
خطر بباله مد يديه لاحتضانه عند مروره بقربه لكنه تذكر أنه بلا يدين. تبعه بنظره حتى رآه يختفي في زوبعة من الضياء داخل سحابة هائلة.
وكأن السحابة لم تكن تنتظر سوى ولوج الصبي بداخلها راحت تمطر بغزارة لم يعرف لها عبد الملك نظيراً. كانت نقاط الماء تجتمع لتصب في نقطة محددة من تربة حمراء داكنة أشرقت عليها شمس صغيرة جداً ليس لها توهج الشمس التي كان يعرفها.
وفجأةً رأى شاباً وسيماً يقفز من الشمس نظر إليه بذهول وقد أحاطت به مجموعة من رفاقه وراح الجميع يركضون باتجاهه. حاول تفاديهم دون جدوى لكنهم اخترقوه دون أي تصادم… لحقهم بنظراته…
أيام الجامعة… هي أيام الجامعة، يا ملك!
تبعثر الرفاق ووصل وحيداً إلى شاطئ بحر بدا له بلا نهاية…
بحر متلاطم الأمواج…
من بينها انبثقت ندى… مدت له يدها وهي تبتسم…
تذكر يوم لقائهما الأول… والحب من أول نظرة… والزواج… والأولاد…
الأولاد! رأى الأولاد فشعر بقلبه يرقص فرحاً…
تداخلت أمامه صور عديدة جداً متلاحقة بسرعة هائلة كان هو القاسم المشترك فيها لكنه لم يفارق شعور اللذة خلال ذلك كله، وإن لحظة.
صحيح أنه كان يشعر بومضات حزن عابرة عندما كان يحاول التحرك بلا جدوى لكن السعادة كانت غالبةً عليه.
وفجأةً شعر بطيرانه إلى زاوية غرفة بيضاء الجدران…
تقوقع على تماس مع أعلى الحائط والسقف فرأى جسده ممدداً على سرير وهو مضمد بشكل كامل تقريباً، وقد خرجت بعض الأنابيب من فمه ومن أنفه باتجاه جهاز كبير موضوع بجوار سريره.
أمعن النظر فرأى ندى تجلس على أريكة منخفضة على بعد أمتار منه.
استغرب بكاءها…
لماذا تبكي وهو في قمة السعادة؟
رأى شخصاً يرتدي سترةً بيضاء يفتح باب الغرفة ويتجه نحوه ثم يقف إلى جانب السرير الممدد عليه جسده ويراقب الأجهزة الموصولة فيه.
رأى ندى تقترب منه وتكلمه…
انتابته الدهشة لعدم سماع أي صوت فقد كان فقط يسبح في عالم من السكينة والهدوء.
دخل فجأةً رجلان إلى الغرفة وأحدهما يحمل جهازاً بيده لم يستطع تحديد طبيعته.
رآهما يوصلاناه بمأخذ الكهرباء قبل أن يضعه أحدهما على صدره فلم يفهم قصده لكنه شعر بنفسه يلتف بسرعة هائلة على شكل زوبعة اخترقت الجسد الهامد ثم أحس بألم هائل يعم جسده كله. شعر بمجس الجهاز على صدره وهو يخترق كيانه بنبضاته المؤلمة فانتفض جسده بعنف فوق السرير مرتين أو ثلاث مرات وراوده قلق داهم اجتاحه بلا هوادة. بدا له أنه يغط في نوم مضطرب وغير مريح.
شعر أخيراً بيد تحيط بمعصمه برفق وعادت أصوات ضجيج خافت لتصل إليه بعد أن كاد ينسى معنى الصوت. سمع أحدهم يقول:
ـ يا سيدة ندى… ما زال تجاوب زوجك مع الجهاز ضعيفاً…
وصل إليه صوت ندى كأنه صادر من بئر عميق:
ـ يعني، يا دكتور… هل يوجد أمل؟
عاد ليسمع الصوت الأول:
ـ نعم، الأمل موجود… إن زوجك في حالة موت سريري نتيجة الإصابات البالغة التي آذت المخ.
إنه يقف الآن على العتبة الفاصلة بين الحياة والموت، وما دمنا نحافظ على وظائفه الحيوية الأساسية بوسائل الإنعاش فإننا نحتفظ بالأمل في أن ينجح الصادم الكهربائي في إعادته إلى الحياة مرةً أخرى فهو ما يزال شاباً و…
انقطع الصوت فجأةً وعاد عبد الملك لزاويته القريبة من السقف يرقب من جديد جسده الممدد بلا حراك.
عادت فجأةً مشاعر النشوة والسكينة والفرح لتغمر كيانه. خطر بباله مغادرة المكان لكنه وجد نفسه عاجزاً عن الحركة مجدداً.
لم يفهم مغزى ذلك كله… جسده ممدد وندى بقربه وهذا الرجل ذو الملامح الصارمة يقف بجوارها…
رأى الرجلين يتجهان إليه مجدداً ويستعدان لإطباق طرف الجهاز على صدره.
تذكر كل شيء!
شعر بهلع هائل فحاول الهرب لكن زوبعةً جديدةً عادت لتلفه ولتذيبه فجأةً بعنف داخل جسده الممدد.
شعر بالنبضات المؤلمة وهي تخترقه من جديد وبجسمه ينتفض بقسوة فوق السرير.
عاد ليسمع الصوت الغريب:
ـ … مزيداً من النبضات، يا شباب… هيا أعطوه مزيداً من النبضات فالأجهزة الحيوية تسجل ردةَ فعلٍ ممتازةً.
أحس بنفسه ينغط في كابوس رهيب في حين راح جسده ينتفض بجنون فوق السرير.
انقضى دهر من الزمن همد في نهايته أخيراً على السرير وقد صعقه الألم ثم عاد ليسمع الصوت وهو يقول:
ـ سيدتي، الوضع مبشر بالخير، إن شاء الله… لقد بدأ زوجك يتجاوب مع الصادم الكهربائي.
سمع صوت ندى وهي تقول:
ـ هل يعني ذلك أنه سينجو من الموت؟
عاد الصوت الأول ليخترق أذنيه:
ـ الأمل كبير لكنني أستطيع أن أقول، الآن على الأقل، إنه ابتعد عن العتبة قليلاً باتجاه الحياة.
شعر عبد الملك بفراغ هائل في كيانه فحاول التحرك سدًى…
صحيح أن مخه كان يكد في ترتيب الأفكار والخواطر السريعة المتلاحقة التي اجتاحته بعد ما سمعه للتو لكن حقيقةً ساطعةً انبثقت فجأةً من بين كل الفوضى الفكرية التي أرهقته…
حقيقة بدت له أقرب إلى الخيال!
لقد كان ميتاً!
تذكر بصعوبة ما جرى…
تراءت له صور الحادث وعاد ليشعر بالألم الهائل الذي اخترق رأسه عند ارتطامه بالزجاج الأمامي للسيارة و…
أدرك فجأةً سبب توقف ذاكرته عند هذا الحد.
لقد مات!
أو بعبارة أدق بقي ميتاً حتى اخترقت نبضات هذا الجهاز اللعين صدره للوصول إلى جوار فقرات ظهره.
شعر بغضب عارم يجتاح كيانه…
لقد فهم الآن كل شيء!
إنهم يعملون على إعادته إلى الحياة… إلى تعب الحياة ومللها وعبثيتها!
تذكر النشوة الهائلة التي لم يعرف لها نظيراً في حياته كلها قبل الحادث. شعر بحنين هائل للعودة وعادت مشاعر السخط لتملأ كيانه.
من فوّض هؤلاء بفعل ما يفعلونه؟
من قال لهم إن هذه هي رغبته؟
هل عرفوا معنى الطيران؟
هل ذاقوا لذة الهدوء العجيب الذي عرفه منذ تلك اللحظة البعيدة التي غادر فيها الدنيا حتى لحظة إعادته قسراً إلى داخل جسده الأرضي الفاني بجهازهم التافه؟
عرف يقيناً أنه لا يريد بحال من الأحوال العودة إلى الحياة.
بالتأكيد هو لا يريد ذلك!
لا شك في أن هؤلاء الحمقى يشعرون بأنهم يؤدون واجبهم تجاهه، هذا إن لم يخطر ببالهم أنه يسدون إليه خدمةً جليلةً… خدمة إنقاذ حياته!
يا لغبائهم!
وصلته أصواتهم، خافتةً من حوله وشعر بحركتهم. لا شك في أنهم يكدون كمجتمع النحل لإنقاذه، ولو علموا ما علم لأوقفوا كل هذا الهذيان الخالي من أي معنى.
شعر بأنابيب تُسحب وتُعاد بسرعة إلى فمه وأنفه، وأزعجه ألم عميق في ذراعه. لا شك في أنهم يعيدون فتح أوردته. سيستمرون في العبث به حتى يرغموه على العودة إليهم.
تخيل الأمر كحريق هائل فرق بين شخصين ما زال أحدهما يرى الآخر دون إمكانية اختراق النار.
مع فارق واحد…
هو أن أحد الشخصين يقف على أرض الجنة ولا يريد اختراق النار للعودة مجدداً للجحيم.
هذا هو الفارق!
مر زمن لم يستطع تحديده انقطع فيه عن التفكير لكنه عرف مع عودة الوعي إليه أنه كان نائماً.
أو أنه بالأحرى كان تحت تأثير أدويتهم وسمومهم، فهو للأسف لم يعد إلى هناك.
شعر بتناقص وزن أجفانه فحاول فتحهم وشعر بسريان حركة خفيفة فيهم لم تستطع فتحهم. ركز كل تفكيره في المناورة فنجح بعد جهد هائل بإبعاد جفنيه العلويين عن السفليين ببطء شديد.
رأى أول ما رأى السقف فوقه.
لم يستطع الحركة بطبيعة الحال لكنه ميز بوضوح المكان… قسم العناية المشددة.
أعانه على ذلك الضوء الخافت وصوت أجهزة الإنعاش القريبة منه وتذكره لكلام صاحب الصوت الغريب مع زوجته.
عرف أنه يمر الآن بمرحلة انتقالية سيعود بعدها إلى الحياة الطبيعية، هذا إن لم يخلف الحادث عقابيل دائمة في جسده.
شعر بغصة مؤلمة أمام هذا الاحتمال، لكن ذلك لم يكن همّه الآن بل كان هدفه الوحيد العودة إلى هناك بعد أن عرف أنه لن يهنأ أبداً بعد الآن على ظهر الأرض.
لا بد من الولوج بداخلها وإفساح المجال لروحه للانطلاق بلا قيود وبلا صادم كهربائي وبلا شيء مطلقاً في ذلك العالم الساحر الذي عرف لذته… لا بد من ذلك!
حاول تحريك يده فاستجابت ببطء شديد للأمر ثم كرر المحاولة عدة مرات حتى وصل لحركة مقبولة.
لقد كان يعي تماماً ما عليه فعله.
كان يدرك مع انعدام قدرته على الالتفات احتمال وجود عنصر طبي قريب لمراقبة أجهزة الإنعاش. وإن أسعفه الحظ قليلاً، وكان الوقت ليلاً فهناك احتمال كبير لكي لا يكون في قمة تركيزه.
تمتم الشهادة بخشوع.
وفجأةً، ودون أي تردد، وبحركة واحدة، سحب بيده كل الأنابيب ووسائل الإنعاش المختلفة الموصولة بجسده.
شعر بضربات قلبه المؤلمة على جدار صدره وبعرق غزير على جبهته المغطاة بالضماد، في حين راح يحاول فتح فمه بحركة لا شعورية لاستنشاق الأكسجين الذي انقطع فجأةً عن رئتيه.
رأى فجأةً النفق والضوء ورأى الأرض والملكوت والكواكب… راح يطير كما من قبل.
لقد عادت النشوة الهائلة لتعمّ كيانه كله.
لم يخطر بباله لحظةً واحدةً قسم العناية المشددة ووسائل الإنعاش والصادم الكهربائي.
كأن ذلك لم يوجد أصلاً…
رأى أباه من بعيد فانطلق نحوه فرحاً…
كان يرتدي اللباس الأبيض نفسه الذي رآه فيه من قبل. وصل إليه وهو يخشى اختفاءه مثل المرة الأخيرة، لكنه وجده مبتسماً وهادئاً:
ـ أبي… أبي…
لم يستطع قول غير ذلك.
شعر بأبيه وهو يحضنه بحنان رغم غياب الأيادي وغياب الأجساد.
سأله بلهفة:
ـ لماذا لم تجبني عندما ناديتك في المرة الماضية، يا أبي؟
أجابه وكأنه كان يتوقع سؤاله:
ـ لأني لم أحصل على الإذن بذلك إلا الآن، يا بني.
صمتا قليلاً قبل أن يتابع الأب:
ـ كنا نعلم جميعاً وجودك على العتبة في المرة الماضية، لذا لم يكن مسموحاً لك التواصل مع أي مخلوق هنا.
سأله بنبرة منخفضة:
ـ والآن، يا أبي؟
أجابه بعد صمت قصير:
ـ الآن بتَّ واحداً منا، يا ملك… لقد تجاوزت العتبة ودخلت إلى عالم الخلود.
شعر بنشوة عارمة لسماع ذلك بعد أن أيقن تماماً استقراره هنا إلى الأبد.
شعر بنهوض أبيه وسمعه يقول:
ـ تعال معي، يا بني!
وفي الأثناء نفسها، كانت الدهشة والحيرة تلفّان الممرض المسؤول عن رعايته ومراقبته في وحدة العناية المشددة بعد أن وجده جثةً هامدةً، وقد انفصل جسده عن كل وسائل الإنعاش التي كانت تقف به على العتبة قبل أن يغادرها إلى غير عودة!
تنويه: بالتأكيد لم يغب عن بالي ما سيخطر ببال الكثيرين من القراء الأفاضل، أن البطل أقدم على الانتحار في نهاية المطاف مما سيودي به إلى الجحيم، لكنها قصة!

أضف تعليقاً