في لُجّة غابةٍ رقدت عليها قرونٌ من السكينة، حيث تنفّست الأرضُ أسرارها المكنونة، تراقصت أطياف الأزل كخيوط نورٍ شفيفٍ بين أغصان الزمن، مُلقيةً وهجها على كل حجرٍ وجذر. كان “العتيق” قنديلًا يشتعل بوهج أمسٍ سحيقٍ، لا يضيء الدروب فحسب، بل يمزق عتمة الدهور، تراثًا حيًا يتنفس عبق أسلافٍ غائرةٍ في عمق الذاكرة. كل ثلمةٍ على خشبه الأسمر روَت أسطورة: صيدٍ أروى جوعًا، دفاعٍ شق سكون الليل بصرخة انتصارٍ مدوية، أو ضحكة طفلٍ صاغت ذهبًا على شفاه الأمس الشاحبة. لم يكن مجرد أداة، بل بوصلةً للفطنة المتوارثة، صمته يتهادى بعمق نفوسٍ صقلتها صخرة القدر.
يزيد، يافعٌ ذو مقلتين تضجان بشرارة الفطنة في حلكة الظلام، هو آخر حُماة هذا الإرث المقدس. ارتوى فن الرماية من نبع جده، الذي صقل روحه بإيمانٍ لا يتصدع: “ليس بريق الحديد البارد ما يمنح العزم، بل شعلة الروح الأبية التي تسكن حاملها.” في قبضة يزيد، تحولت الحصى إلى قذائف متأججة، كل حجرٍ فيها وعدٌ بالخلاص يتلألأ كجوهرةٍ مقدسة. انتقى كل قطعة بحدسٍ لا يُخطئ؛ بعضها صقلته أنفاس الأنهار حتى بات أملس كجبين الفجر المتورد، وبعضها الآخر شذبته أنياب الجبال فصار مرهفًا كسيف الحق، جاهزًا لشق الظلمة.
في يومٍ لفّته كآبةٌ خانقةٌ، خيّم هدوءٌ ثقيل كـرماد الموت على الغابة. توقفت الصقور عن تحليقها، وسكنت الأرانب في أوكارها، وكأن الأنفاس حُبست. حلّ الغرباء كـعاصفةٍ جليديةٍ؛ صيادون ببندقياتهم اللامعة التي عكست بريقًا جليديًا قاسيًا، يطاردون كل نبضٍ حيٍ بلا رحمة، تاركين خلفهم الخراب. بظلالهم، أطبقت الوحشة على الغابة كالأفاعي السامة تلتف حول روحها فتخنقها. يزيد، مختبئًا في دغلٍ كثيفٍ كـقبرٍ مؤقتٍ، قرع قلبه إيقاع خطرٍ وشيكٍ. غزالٌ صغير، بعينين تسكنهما الرهبة الصماء، وقع في فخٍ نُصب ببراعةٍ خبيثة، كان مصيره على وشك أن يُختم.
في تلك اللحظة التي تهاوت فيها آخر أوراق الأمل، تردد يزيد، وعقله معتركٌ بين اليأس والشجاعة. هل يستسلم لليأس الذي يزحف كـظلال الموت ليطمس كل بصيص نورٍ ويذر الغزال لمصيره المحتوم؟ أم يمزق ستار مخبئه ويواجه المجهول المتربص؟ همست له روح جده بحكمةٍ متوارثةٍ: “الأمان لا ينبع من دوي الرصاص، بل من جود روحٍ تصون الضعيف، وتزرع الحياة لا تقلعها.” ارتفع العتيق في يده، لم ترتعش، بل استقرت بثباتٍ راسخٍ كأنما امتدادٌ لروحه المتجذرة في عمق الحياة. استشعر ثقل حجرٍ أسود، كشظيةٍ من ليلٍ ابتلع وهج الغابة، في راحته. صوّب بإتقان، فاصطدم الحجر بفرع شجرةٍ، مُحدثًا صرخةً مفاجئةً بذرَت الرعب وشتتت انتباههم عن الفريسة.
انطلق المقذوف كالشهاب يشق فضاء الظلمة بسرعة البرق، ليصطدم بفرع شجرةٍ عتيقةٍ كجدارٍ صمد أمام عواصف الزمن وفتكه، محدثًا صدىً يجلجل كمباغتةٍ خاطفةٍ مزقت عباءة الهدوء. تفرق الصيادون ذعرًا، ظنًا أن وحشًا قديمًا قد باغتهم من العدم. استغل تلك الفوضى العارمة، واندفع كـالعاصفة الهوجاء نحو الغزال، محررًا إياه من أسره ببراعةٍ تذهل العقول وخفةٍ لا تُضاهى، ليختفي به كالريح في لمح البصر بين خضرة الأشجار.
اختفى الغزال بين الأشجار كحلمٍ تضاءلت ألوانه شيئًا فشيئًا حتى توارى في طيات النسيان. تسمّر يزيد في بقعةٍ منسية، عيناه تحدقان في “العتيق” كأنهما تبحثان عن جوابٍ مفقود. فجأة، انكسر المقلاع الخشبي إلى نصفين. لم يكن مجرد انشطار، بل انكسارًا موجعًا، كأن روحًا فارقت كيانًا ينبض بالحياة. تساقطت قطعه كشظايا ناعيةٍ لرمزٍ احتضر بين يديه، معلنةً نهاية حقبة.
لم يكن انكساره مجرد تحطم خشب، بل صرخة وداعٍ لحكمة الأجداد التي طواها النسيان، وعالمٍ سُحقت بساطته وقوة روحه تحت أقدام التقدم القاسي. ترك العتيق المنكسر ومضى؛ لم يعد صبيًا يحمل مقلاعًا، بل وارثًا لإدراكٍ يتجاوز حدود الزمن، شاهدًا أخيرًا على أفول عصر الأصالة في زمنٍ لا يعترف إلا بصخب الآلة الصماء والمعدن البارد.
- العتيق
- التعليقات