..وقف مصدوما في ذهول، وعينه تتابع، غير مصدقة، العجلة الملعونة تقفز منحدرة، رشيقة، عائدة الى السفح، لكن عكس الإتجاه الذي دفعها عبره صعدا، إذ رٱها تهمد، بعد أن قفزت فوق الطريق السريع الذي يقال أن إشارة انطلاقه ستعطى في القريب العاجل !
ضرب كفا بكف.نظر بيأس الى قميصه المبلل بالعرق. كان عرقا عقيما كماء في رمل، إذ لما أراد مسحه عن جبينه، كي لاتتسلل ملوحته الى عينه، أفلتَ العجلة اللعينة، التي تدحرجت في لمح البصر، كصخرة سيزيف، عائدة الى السفح، بعد أن دفعها كل تلك المسافة، صعدا باتجاه عربته المنتظرة وراء بغل مربوط في الشمس الحارقة، منذ مطلع الصباح، على قمة ربوة جرداء ! لقد كان يوما مشؤوما، كشف عن نحسه منذ الصباح، لما تعطلت إحدى عجلتي عربته الخشبية، عند بداية المنحدر في إتجاه المدينة القريبة، مما إضطره الى تركها واقفة هناك على طريق شبه خالي، خشية أن تنقلب والبغل معها؛ والذهاب الى أقرب محل لبيع العجلات، على تخوم المدينة، ثم العودة دافعا العجلة الجديدة أمامه، صعدا، في حر لافح. الأمر الذي أخذ من وقته ساعات، ومن ماله القليل أصلا، مبلغا إضافيا، هو ثمن العجلة الجديدة، كما حرمه من إمكانية استرزاق مبلغ من المال، مهما كان قليلا. لهذا كان ينوي تركيب العجلة الجديدة، والعودة الى الدار، في إنتظار صباح ٱخر لايطفأ إشراقته وجهٌ نحسٌ ! لكن العجلة كان لها رأي ٱخر، فانفلتت من بين يديه، وقررت أن تعود به وراءها، بعد أن صعدت أمامه، الى نقطة انطلاق الصعود من جديد. ولم تترك له أي خيار، سوى أن يتدحرج وراءها، عبر خطوات تتوالى قسرا، الى السفح، حيث يعبر الطريق السريع، ليمسك بها كمن يضع يده على رقبة العدو !
لقد كانت العجلة أُذُنا مثقوبة، لايمكن أن تسمع رجاءه الجاف في حلق ناشف، كما كانت عينا بلابؤبؤ، لترى بقع الملح على ثيابه المبللة بالعرق، وتشفق على حاله، كانت دائرة مقفلة لايعنيها في شيء أمره، حتى ولو قضى عمره كله في حلقتها المفرغة !
لهذا لملم تعبه، الذي شارف حد الإنهاك، وعطشه، وكف عن مسح العرق، الذي يتدفق أكثر كلما مسحه، وتدحرج كالمحكوم وراءها، وسط غبش هو بخار حر يلتهب. الى أن اقترب منها، وأوشك أن يقطع النصف المتبقي من الطريق السريع، حيث علق حذاؤه في الزفت الذائب تماما، واستحال عليه انتزاعه، إذ كاد أن يسقط على يديه، لما حاول بقوة أكبر، وخشي أن تعلق يداه على غرار حذائه، ويتجمد في وضعيةِ كائنٍ يقف على أربع، لكن لايستطيع حراكا. غمره اليأس من إمكانية انتزاع حذائه من فكي الزفت، وكذلك من إمكانية نزع قدمه، والسير حافيا، إذ ستعلق بدورها في لزوجة الزفت وحرارته ! تمنى أن يمر به عابر ما، ليلقي له بالأحجار، كي يقفز فوقها، ويعبر نهر الزفت، قبل أن يُكتشف أمره، حيث يخرجونه من ورطته الزفتية، ويضعونه في ورطة غرامة كبيرة، جراء عبور طريق لم تُعط إشارة انطلاقه بعد، وإن لم يحصل، فمن الممكن أن ينفق عطشا ويأسا، واقفا بين فكين من زفت، في ميتة سوداء تلفظ روحا لزجة. فالمكان كان خاليا من جميع الكائنات، التي كانت لحظتها تتسابق على الظلال لتشرب نفسا رطبا. لهذا ومضت في خاطره فكرة، وتدلت أمامه كحبل إنقاذ، إذ اكتشف لحظتها أن ثيابه يمكن أن تلعب دورا ٱخر، غير ستر عورته. فراح مع كل خطوة كبيرة يجتازها، بعد أن نزع قدمه من الحذاء وتركه عالقا في مكانه، يخلع قطعة من ثيابه، ويدوس فوقها على الزفت، حيث تظل هي في مكانها، وينتقل هو الى قطعة أخرى، الى أن بلغ الخطوة الأخيرة، حيث تعين عليه أن ينزع سروله الداخلي، ويبقى عاريا كما خرج الى الدنيا أول مرة. فلم يتردد، إذ خلعه، وداس فوقه، ثم قفز الى خارج الطريق، حيث سقط عاريا على الحصى الناتئ، دون أن يصل مكان همود العجلة. وبعد أن نهض، ونفض عن جلده الحصى، دار حول نفسه كالمجنون، عاريا لايعرف أين يولي عورته، في مساء يوم منحوس، ماكان قادرا على معرفة كيف سينتهي، أم سيكون يوما عالقا خارج عقارب الزمن، بلانهاية ؟ لهذا راح يتذكر أي وجه منحوس يمكن أن يكون قد افتتح بطلعته المشؤومة، صباحه ذاك. لم يتذكر أحدا، لأنه لم يلتق أي وجه، وحتى زوجته تركها نائمة بعد. عدا وجهه الذي طالعه في المرٱة، التي علقها حديثا على جدار غرفة نومه، فأيقن أن وجهه في المرٱة، كان شؤما عليه، لأن المرٱة لايمكن أن تكون وجه شؤم، لأنها بلاوجه أصلا !