توكأ على عصاه ، ثم مضى تاركا خلفه ذكريات عقود من الزمن ، وبعض دموع أبت أن تغادر ، شعره الأبيض كما ثلج عتقه صرير سيف ، وتلك اللحية الكثة تركن إلى السماء ، بينما ثارت التجاعيد على نفسها هذه المرة ، ربما أرادت أن تقول شيئا ، لكن عقارب ساعة الوداع لم تمنحها آخر فرصة ، انحناءة ظهر أبو نايف تنبئ ببدء لعبة مع القدر ، عينان غائرتان في سحق حفرة التاريخ ، هجرهما لمعان همس الحنين ( الجوع كافر ) قال أبو نايف … الدرب كانت زلقة ذلك المساء ، فالمطر تساقط طوال اليوم ، لعله توقف لتوه ، ليفسح الدرب أمام العجوز الهائم في شوارع المدينة المظلمة ، بينما كانت نسائم الرحمة تداعب لحيته البيضاء وشعره المنكوش كما شلال متناثر ، مسافة كبيرة قطعها العجوز ، ساعدته العصا في تجاوز مطبات الوحل ، المارة يهرعون إلى بيوتهم ، امرأة في قمة أنوثتها تدك في جيبه ورقة ما ، ضحك أبو نايف ( أصبحت شحادا ههه ) … لم تعد قدماه قادرتان على حث الخطا ، جلس على حجر بجانب دكان قديم ، اختلس النظر إلى الورقة ، مهمة جدا هذه الورقة ، عادت تراوده الابتسامة مرة أخرى ، صفع الأرض بعصاه ، الدموع التي رافقته بدأت بالتحرك ، شاب أسمر كان يراقبه من زاوية معتمة …
_ ما بك يا أبتاه … البرد لا يناسبك …
هز برأسه تفاديا لنظرات الشاب …
_ هل أساعدك للوصول إلى بيتك ؟ …
قهقه أبو نايف هذه المرة بقسوة ، ماذا يقول هذا الصبي ، لا يدري ، نعم إنه لا يدري …
_ أين طريق البيت ؟ هات يدك واحمل عصاك …
خيم الصمت عليهما ، الآن فقط بدأ الشاب يستوعب ما هو مبهم …
كسر العجوز الصمت بصوته الذي هز الجبل القريب ، بل ربما هز العالم …
_ مهما مشينا يا ولدي فلن نصل ، لن نصل … ابني هناك ، لن نصل …
- العجوز
- التعليقات