منذ أن ولدتُ وصرتُ أفهم الكلمات أُشبعتُ بوصفي امرأة.
كانت حفلةً كبيرةً تلك التي زينوني بها وألبسوني ثوباً أبيضَ في سنّ الثالثة عشرة من عمري. العشاء كان فاخراً والكل يبارك لي وأنا أبتسم كالعروس القروية الخجلى؛ ولكني بصراحة لا أفهم مغزى الحفل وخاصةً أنني أتواجد كثيراً في الحمام.
النساء تتهامس فيما بينها وهي تبتسم: لقد كبرت بسرعة وصارت “مَرَه”.
بين عشية وضحاها صرتُ امرأة!.. كرهت هذه الكلمة التي قتلت طفولتي في لحظات وحولتني لكائن لم آلفه ولا أفهمه. أبي يناديني: تعاي يامَرَه، وخالي وأخي. أمي تخيط لي الملابس الطويلة الفضفاضة وتؤكد لي بأنّ عليّ نسيان البيجاما والبنطلون والثوب القصير، وحتى”الّلعابة” التي هي صديقتي وصاحبة أسراري.
أثقلوني بعدها تدريجياً بشغل المطبخ وتنظيف البيت.
_ملابس إخوتك اغسليها واهتمي بطلباتهم ابنتي، فأنتِ الآن امرأة وهم رجال.
_ياليتني كنت رجلاً… هذا ما كنت أحدث به نفسي دائماً وأسائلها عن حظي بكوني أنثى وليس ذكراً.
جدتي أعطتني نصف تفاحة، وإخوتي لكلٍ تفاحة. “لماذا ياجدتي؟ أنا أكبر منهم ولاتشبعني النصف!.. “الولد يأخذ ضعف البنت لأنه يحتاج للقوة بنيتي. ثم يجب أن تُضحِي، فهم أولاد وانتِ كبرتِ وصرتِ “مره”.
المأساة أني لا أقتنع بكل هذا، وأذهب لأسرق تفاحتين من جرّور البرّاد فآكل واحدة وأخبىءُ أخرى تحت السرير، أتركها حتى تتعفن؛ انتقاماً لكرامتي فقط.
الشارع يناديني عصراً للّعبِ مع أقراني، ولكني أُمنع وبقوةٍ للحدّ الذي أغافلهم فيه وأهرب إليه، فخيل إليّ أنه لا يعرفني بثوبي الطويل وغطاء رأسي.
الأولاد صاروا يضحكون وهم يؤكدون لي أنهم يعرفون شعري ولا حاجة لتغطيته؛ مما اضطرني لنزعه عن رأسي ورميه.
كم كان تعنيف امي وضربها لي صعباً حينها، وأنا مازلت أؤكد لها أنهم يعرفون شكل شعري حتى وهو مغطىً فلن يفرق الأمر.
…..
زوجي يقومني ويقعدني على: مره… مره…
“اغسلي هاذ يمرة..اكوي يامرة… تعالي يامرة…
إلى أن صرختُ في وجهه يوماً: لا تقل لي”يامرة”.. نادني باسمي فقط. وكل مرةٍ ألبس فيها عباءتي فأهرب إلى بيت أهلي، يقنعه أبي بأن عقل النساء صغير ولا تصلح معه إلا الإحتواءات. فيرد بقوله: والله ياعماه لولا خاطرك عندي كبير، فأنا هكذا “مره” لا تناسبني.
فصرتُ حقاً كما يريدون امرأة بمقاييسهم وحكمهم؛ إلى أن كان الأولاد وكانت الأزمات.
…….
_قلت لك أنا لا أعرف ولد وبنت، فكلهم سواسية عندي، فلا تفرقة في المعاملة وإلا وضعت حداً لهذا…
أين العباءة؟!
…..
الأولاد تزوجوا وصاروا يتخانقون… نعم، لقد كبروا.
الكنّة… أنا مع الكنّة، وصديقتي تنعتني بالمجنونة لأني مع كنّتي وضد ابني.
_في حياتي ماشفت مرة تقف ضد ابنها…ها ها ها
……
الزمن يسير… ويدور..يتغير…
وتتغير معه مفاهيم كثيرة لي ولمن حولي.
………
في عيد المرأة فاجأوني بحفلة وهدايا كثيرة، وقالوا لي: سامحينا.
نعم، لقد سمعتُ زوجي معهم يقولها.
……
في عيد الأم كانت الحفلة أكبر، وكان الأحفاد معهم، فاتفقوا على أن تكون صيحاتهم في وقت واحد وبصوتٍ عالٍ: أنتِ أعظم “مره”.
…….
أصرّ الأولاد أن يعملوا عيد ميلاد لي للمرة الأولى في حياتي؛ فقد كنتُ أخجل من هذا وأعدّه مسائل طفولية.
لبستُ بلوزة وبنطالاً، وضعتُ وردةً بشُكّالةٍ على شعري. صاحوا بنَفَسٍ واحد عندما أطفأتُ الشموع: حفظك الله لنا يا أجمل امرأة في بيتنا.
“صراحة أول مرة أحب هذه الكلمة، وأستذوق معناها ”
يا إلهي، أين كنتُ أنا من هذه الكلمة! ولماذا لم أكن أحبها!
……
على فكرة، نسيت أن أخبركم أنني لم أعد ألبس العباءة، فأبي رحمه الله أجاز لي لبس الجلباب حينما رآه حلواً وصديقاتي لبسنه.

أضف تعليقاً