..لملمتُ كفي الممدودة، تحسستُ الدراهم التي تجمعتْ في جيبي، أغلقتُ فمي على ادعيته المعتادة، ونهضت على عجل من مكاني امام مسجد، محاولا الهرب في جملة الهاربين؛ بعد ان دفع ذعر رهيب كل الاقدام الى الركض، وتعالت صرخات من حناجر خرّتْ ارجلها على رُكَبٍ خانتها، إثر ارتفاع مكبرات الصوت محذرة من البحر الذي فاض فجأة ودفع بامواجه العاتية الى شوارع المدينة. نزعتُ قُبَّ الجلباب المهترئ عن رأسي، رفعتُ حوافيه عن ركبتي، وهرولتُ مذعورا؛ لكن العكاز الذي دفعته امامي كان بقدم واحدة تعرج، والشمس التي كنتُ استشعر دفئها ما كانت قادرة ان تضيء الليل المقيم في عينيّ، ومامن احد في غمرة الهلع المستعر اهتم لأمري.! لهذا لم أدر، وانا اجر الخطوات وراء عكاز اعرج يرتجف، أهو من اصطدم بي، أم انا الذي اصطدمتُ به، وكل ماقلته له وهو يصيح في وجهي بغضب : أأعمى..!؟
– نعم اعمى.!
تغير صوته فجأة، ولانتْ نبرته قليلا، فيما يده تمسك معصمي، وقال :
– معذرة، وأضاف باستعجال، اتبعني، هات عكازك وامسك يدي.!
فقلت لنفسي بقليل من الارتياح : لازالت الدنيا بخير، ثم ناولته العكاز لاهجا بكل الادعية الجميلة التي تزخر بها ذاكرتي. لكنه اخذه مني، وترك يدي معلقة في الفراغ كبوصلة معطلة، ومضى.! ادركتُ اخيرا من حركة يده التي كانت تتلمس مكان العكاز في يدي كما في الظلام، أنه اعمى مثلي أخذه مني وتركني اتعثر بين خطوات تائهة، فواصلتُ دربي المظلم في عز الشمس، أصيخ سمعا راجفا، بانتظار ان تلعقني اول موجة.!
- العكاز
- التعليقات