طال انتظاره، تحت أشعة شمس يوليوز،على مسلك يمتد كساقية من تراب، وسط الحقول المائلة الى الصفرة. مغروسا كالوتد وفي يده حبل، يشد بقرة ترغب بدورها في الإحتماء بالظل، والعودة الى الدار، كعادتهم كل ظهيرة. فكانت تندفع بين الفينة والأخرى، وتجره وراءها بضع خطوات، قبل أن يغرز قدميه في التراب، ويشد بكلتا يديه كي يثنيها عن الهرب. وكان كل مايتمناه هو أن لاتلزق بها تلك الذبابة اللعينة المتخصصة، بلسعاتها الحادة، في إثارة شهية البقر للهرب، وتجعل يداه تفلتها، وإلا مزقهما الحبل، في وقت حاجته الماسة إليهما، لجمع محاصيله بسرعة، قبل أن تنتهكها القطعان المندفعة السائبة، التي لاتحترم حرمة حقول الغير، إذ كان متعبا بفعل الحصاد، ولايمكن أن يزيده الركض وراءها إلا إرهاقا. لكن زوجته كانت منهمكة، على مهلها، في الحديث الى نسوة كن يحصدن الزرع، غير مبالية به وبانتظاره سواء طال أو قصر. وكانت كعادتها تتكلم بصوت مرتفع، كما ليسمعه كل القريبين من المكان وليس النسوة المخاطبات وحسب، وكان لابد لها، كدأبها في الٱونة الأخيرة، أن تعرج على الحديث عن الطاولة الجديدة ذات العجلات التي اشترتها مؤخرا، حيث كان يتخيل أنها يمكن أن تقيم لها وليمة، وحتى تكتري براحا يطوف المنازل ليخبرهم عن طاولتها الجديدة، ودون أن تكف عن الدوس عليه بعجلاتها، إذ تكون مناسبة أيضا لتدلق عليه سطلا من الإهانات واللوم، فتعيره بعمره الحائل كله، الذي لن يستطيع، على طوله، توفير طاولة مثلها، تحمر الوجه أمام الضيوف؛ لكن كيف له ذلك، وهو بذاته لايستطيع تحمير الوجه أمام أي كان وأينما كان ؟ كم كان يتمنى لو استطاع، لملأ فمها بالأشواك، بل والجمر حتى، لكن هيهات هيهات..فالجميع يعلم أنه مضرب المثل في الخضوع للزوجة، وهو كذلك يعلم، كما يعلم أنهم يقولون أنها إما أطعمته لسان الحمار أو مخ الضبع، خصوصا وأنها تنحدر من عائلة معروفة بالإقبال على الشعوذة والسحر ! لكنه لايعرف بالضبط ماذا أطعمته، رغم ميله الى الظن كونه ملأ معدته بمخ الضبع، لأنه لو كان تناول لسان الحمار لكان قادرا، على الأقل، على النهيق في وجهها، وهو بالكاد يفتح فمه في حضرتها، التي تشبه حضرة عنقاء جائعة ! فكان يكتفي بلعنها في سره، كلما سمع صوتها الناهق، ولعن نفسه غير المحظوظة، وحتى والديه، اللذين اختاراها له زوجة، دون معرفة سابقة. كما كان يستغرب كيف صيرته مجرد ” دمدومة” لاشأن ولاحول لها، هو الذي كان يظن نفسه رجلا ونصف، فكان لايتورع عن ضربها في بداية زواجهما، وكذلك كيف منحها ثقته العمياء، وفتح لها معدته دون حذر لتملأها بمخ الضبع، فأضحت هي من تضربه الٱن، أمام أولادهما، إذا سولت له نفسه معاكستها، وفمها صار يقذفه بالبصاق أكثر من الكلام، أما الإبتسام فلايمكن أن يتخيله إلا في وجه عنقاء تبتسم لفريسة في متناول الناب ! بدا له ظله قزما وبائسا أكثر، كظل طفل صغير يمسك حبل بقرة، بل وحبلين مع بقرتين، الأولى ناطقة تجره الى الإنتظار أكثر، والثانية حقيقية تجره للإنطلاق الى الدار، وهو بينهما، يقدم رجلا ويؤخر أخرى، مع حبل يجره الى الأمام وٱخر الى الخلف ! لكن اليأس منها، ومن قدرته على الإحتجاج عليها، جعله يقرر أن يفلت البقرة، لتذهب الى الدار، وهو في إثرها، ويدعها لاغطة بكلامها الذي لاينتهي ولايقول شيئا ذا قيمة..فتركها تذهب، وأسرع وراءها لايلوي على شيء، كأنها أفلتت منه عنوة، كي لاتقرعه على عدم انتظارها، الى أن تلحق به وهي ترخي ردفي مؤخرتها الضخمة فوق بردعة الحمارة ! لكنه لما بلغ الدار، وجد الأولاد الصغار وقد أخرجوا الطاولة الجديدة ذات العجلات، الى الساحة، وجعلوا منها سيارة للعب، يركبونها بالدور وكذلك يدفعونها. فأسرع إليها، ومسح عنها الغبار قبل أن يعيدها الى الداخل، بعد أن اطمأن الى سلامة عجلاتها. ولما فعل إنتبه الى أثر العجلات في تراب ساحة الدار، الأمر الذي قد ينبه زوجته الى مافعله الاولاد بالطاولة، حيث لابد أن تشبعهم ضربا، وقد يناله منه نصيب إذا حال بينها وبينهم، فهرول الى المكنسة ليطمس أثر العجلات، لكنه تذكر البقرة التي ماكان قد ربطها بعد، وأيقن أن العجل لابد قد رضع ما فيها من حليب قبل الأوان، مما سيذكي غضب زوجته أكثر، ويحوله الى سعار محموم. وقبل أن يطمس أثر العجلات، ويربط البقرة، كانت العنقاء قد أطلت، على صهوة الحمارة، بوجه مربد!.
- العنقاء
- التعليقات