مرَّ النهار فحاولت أن أسافر في القطارات القديمة علَّها توصلني إلى هناك فصعدت بين المسنين الغرباء,واضطررتُ للحديث معهم بأعلى صوتٍ علّي أُغطّي على ضجيج العجلات وهي تضجرُ مثل ماكنات المياه في مدينتي, لكنها تسيرُ على قضيبين حديديين حتى أرخى الليلُ سدوله,فنام جميع من حولي إلا أنا كنت أغمض عينيَّ وأفتحهما وسطَ إرهاقٍ شديدٍ , فشعرت حينها بتباعد ضجيج العجلات شيئاً فشيئاً ثمَّ تلاشت المقاعد من أمام عينيَّ, وانسربَالصوت بعيداًعن أُذنيَّ رويداً رويداً …. وعاد لقلبي الارتياح,فنمت على ضجيج العجلات من شدةِ التعبِ بعد أن خنقني دخان سيكارة الرجل العتيق بجانبي, الَّذي هيأ نفسهُ للنوم بعد انتهائه منها ، حلَّ الصباح فسمعت صوت بوق القطارات يصل محطتي التي سأنزل بها, فمسحتُ عينيَّ ومسحتُ وجهي من غبارالطريق الذي كالتهُ العجلاتُعلى وجهي بعد أن عجزتُ عن إغلاق النافذة المحطمة …
نزلت في محطة البصرة القديمة ماشياً مع الجنود الذين يحملون حقائبهم , ويتدافعون مزدحمين في تلك المحطة فاصطدمت بأحدهم , وباشرتهُ بأسفي دون أن أنظر إليه وهو يرتدي بزَّتهُ العسكرية فنزع (بيريَّته) وعانقني قائلاً : مَنْ …. فيصل ؟!
فعانقتهُ بحرارةٍ وقلت لهُ : حيدر… إنها مصادفة جميلة ، كيف حالك؟ , وكيف حالُ خالتي؟ بينما نحن كذلك تقدم نحونا أحد رجال الانضباط العسكري الَّذين كانوامنتشرين في جميع أركان المحطة وبين المسافرين وهومرتدياً (بيريَّتهُ) الحمراء , ووشاحاً أحمرَ على ذراعهِ الأيسر وحاملاً عصاً قصيرةً فقال لهُ : لِمَ خلعتَ (بيريَّتك) ؟
ــ رأيتُ ابن خالتي فنزعتها دون أن أشعر بذلك , فتقبّل اعتذاري.
-لا ينفعني اعتذارك … تعال معي لتنالَ عقوبتك .
أخذهُ من أمامي بعد أن ودعتهُ وخلَّصني من ازعاجه فقدكان فضولياً ويكثر من الأسئلةِ بلا فائدة …
تابعتُ مسيري وخرجتُ من المحطة فأوقفتُ سيارةً لتقلّني إلى صديقي الكويتي الَّذي يسكن مدينة العشار حتّى وصلت هناك , فنزلت فَصَرَختْ بي الريحُ لتُخبِرنِي بأني في مدينةٍ لم أزرها من قبل , ورحتُ أسألُ عنهُ بين شوارعها الَّتي تغطُّ بحنانِ أهلها على ضفة النسيم دونَ أن أحصلَعلى جوابٍ لأسئلتي , وكلَّما استوقفتُ أحداً وقلت لهُ : ألا تعرف تاجراً كويتياً يسكن هنا منذُ وقتٍ طويل قِيلَ لي إن جميع سكان العشار يعرفون اسمهُ “نواف” ،فيقول لي : مَنْ .. كويتي؟! لا لا ..لا أعرف شخصاً كويتياً بهذا الاسم هنا ، أتعبني البحثُ فجلستُ في أحد مقاهي العشار وأنا أضع يدي على خدي متحيراً … حَنَا رجلٌ علىَّ وربتَ على كتفي قائلاً : مابك؟ .. أراك تتعرج طريق الذكريات متوجِّعاً .
قلت لهُ :لا شيء , لكني لست من أهل المدينة .
-قال: وما الغريب إن بيتي هو بيتك ، شكرتهُ فأصرَّ أن يقدم لي المساعدة ويستضيفني في منزلهِ فأخبرتهُ أني أبحث عن صديقٍ قديمٍ لي وكلما سألت عنهُ أحداً هنا لَبِسَ رداءَ الصمتِ وهربَ مني .
قال لي :أهلاً بك فلو كان صديقُكَ في سماءِ البصرةَ سأدُلُّكَ عليه .
قلتُ لهُ :هوتاجِرٌ كويتيٌ اسمُهُ نواف أبو يعقوب , فَقَبْلَ أن أُكملَ كلامي احمرَّ وجههُ وصار على خطِ استواء الموتِ وقفزَ على فمي وسدَّهُ بيديهِ وقال لي : أتُريدُ أن تقتُلني ؟ أنتَ مخبِرٌ تحاوِلُ أن تُجرجِرُني بالكلام!!!
حتى أقسمت لهُ بصحةِ ما أقول واصطحبني معهُ إلى البيت ماسكاً قلبهُ بيديهِ وقال لي : إن “نوّافاً” أُلقي القبضَ عليهِ مع مجموعةٍ من الكويتيين , ويُقالُ أنهُ أُعدِمَ ولو عرفوا أنكَ تبحثُ عنهُ لألقوا القبضَ عليك فأنصحُكَ أن تتوارى عن الأنظارِ فوراً وترجِعَ بقِطارِكَ القديم قبلَ أن يوافيكَ الموتُوترشِفَكَ الأرضُ بمقابرها الجماعية , فمدَّ بقلبي يَدَ الخوفِ وأجهضني وسط الدروب حتى جُنَّ عليَّ الليلُ ورحتُ أجوبُ الشوارع وحدي دونَ تَوقفٍ بِخُطىً عابرة فاستقرَّ بي الحال بأن أرقد في فُندُقٍ بسيطٍ هو فُندق الوطن الواقع في شارع الكويت بالقرب من مصرف الرشيد … فنمتُ في تلك الليلة وبيني وبين هدوئي أمواج الخليجِ الغاضبة ، تشبثتُ بوجنة الليلِ لكني وقعتُ وتكسرت قدماي , فنظرتُ حولي وإذا بأراملَ متَّشِحاتٍ بالسوادِ على عتبات المقابرِ وبينهنَّ أطفال يتامى يتلوّوُنَ جوعاً بثيابٍ ممزَّقة ، والمصابيح القديمة التي التَفَّ عليها نسيجُ العنكبوتِ المتَّسِخ بالغبار الشاحب ، والفراشات عالِقة بخيوطها الواهنة الضعيفة بعدَ أن امتُصّت منها الحياة , فحاول أن يلتهمني وحشٌكاسرٌ كانت أظافرهُ كالسكاكين فنهضتُ من فراشي مرتعداً خائفاً لأجد نفسي بأحضان الصباح .
لبستُ ملابسي وذهبت لمقهىً قريبٍ أحتسي به الشاي وجلست على مقعدٍ خشبي مصنوعٍ من عِصيِّ سعف النخيل , ثمَّ أتاني رجلٌ مسنٌ مقدّماً الشاي لي , ووضعهُ أمامي فقلتُ لهُ :شكراً فأدامَ النظرَ لِعينيَّ ومضى , وكانت أبخرة الشاي تدور بأكواب الجالسين كأرواحٍ فاغرةٍ بِذُلّالهزيمة لا روحَ لها سِوى روح الضياع ، حتى علا صوت المذياع ,فقد كان خطاباً للسيد الرئيس موجهاً لأبناء الشعب الَّذين لا لونَ لهم ، فهمَّ جميع مَن في المقهى للاستماع إليه وأنا أُقلّبُ بعناوينِ جريدتي الملوَّثة التي رأيت بها شعباً يرتقي سلّم الموت بعدَ أن جفّ الفراتان , ويبسضرع الحياة ومات زرع الأمل , وصارت نخلتنا يابسةشاحبة ،فخرجتُ من المقهى وأنا مصابٌ بالصداع باحثاً عن صديقي الكويتي الذي كان ضياعه قد أهلكني وأذهلني حتى صرختُ وأنا أرسم وجهي في سمات الجوع , وأخذت أمشي على الطريق المتاخمة للمحال التجارية هناك حتى وصلتُ لعطارٍ كبير كان يرتدي (دشداشةً) بيضاء وعقالاًعربياً جميلاً و(شِماغاً) أبيضَ يضفي على وجهه الجميل سحراً بلحيتهِ البيضاء التي رسمت بوجنتيهِ الحمراوين وقار السنين .
سألته … فقال: لي اجلس, ونادى إليَّ بالشاي ورحّب بي بحرارةٍ وحنان حتى قال لي : إن صديقك من سكان البصرة وكنّا جارينِ ودودينِ أنا ووالده الحاج بدر الكويتيّ , فقد عملنا سويّةً عندما كانت علاقة بلدينا صافية كالخليج حتى امتلأت عيناه بالدموع فقلت له: أين هو الآن؟
-سافر قبل ثلاثة أشهر إلى الكويت …. وأعطاني عنوانه ورقم هاتفه وقال لي إن تمكنت من الوصول إلى الكويت اتصل بهِ على هذا الرقم وإذا رأيتهُ أبلغهُ محبتي وسلامي وقل لهُ :جدك صادق مشتاق إليك .
صافحتهُ وشكرتهُ وكان بعينيَّ ضباب رؤيتي بعد أن نزلت دموعي مسحتُها, وتحسست لحيتي التي نبتت لِتُفسّرَ خوفي وشحوبي حينما يفغر الألم بصرخة الضياع……. وفي المساء دخلت بيت البصرة الثقافي وكان يضجُّ بالرقص والموسيقى والغناء والشباب المنغمسينَ بولهِ اللقاء بأحضان العشق الذي ليس له سوى أجفان الليل البارد،جلستُ على طاولةٍ منفردةٍ وحدي وأنا أُمسِكُ سيكارتي بدخانها العصبي الَّذي يفترُّ أمام عينيَّ بصخب الإيقاع ، وفجأةً ينسكب الشراب أمامي كانت فتاةً جميلةً بصدرٍ ناهدٍ ولباسٍ قصير وجسدٍمليءٍومفعمٍ بالحنان .
قالت : رأيتكَ متعباً فجئتك بالعرق الأبيض.
ـــ شكراً , سأشرب أيّ شيءٍ منكِ , ضحكت وجلست بجانبي , كان شعرها منثوراً على صدرها وكتفيها ،ورحت أنظر متلمساً بعيني مفاتنها .
قلت لها ما اسمكِ ؟
-شيماء .
-كم عمركِ؟
-خمسة وعشرون عاما ثمَّ قالت وهي تتفجر ضاحكةً : لأوَّلِ مرَّةٍ أجلس مع شابٍ ويسألني بهذه الأسئلة ثمَّ قالت : ما اسمك ؟
-فيصل .
-كم عمرك ؟
-ثلاثون سنة !
أسكن في فندق الوطن , غرفة رقم 30 , الطابق الثاني , وتجرعتُ ما تبقى في كأسي وذهبت.
قالت : انتظرني قليلاً في الخارج سأكون برفقتك الليلةإن لم تمانع.
قلتُ لها بلهفةٍ , يسرّني ذلك .
مشينا سويَّةً حتى أخذني السكر , وبقيت أتحدَّث دون وعي وسط الشوارع المليئة بالمخبرين , مما اضطرها إلىغسل رأسي واستأجَرَت سيارةً لتقلني بها إلى الفندق بأسرع وقت …
وصلنا فأخذتْ مني المفاتيح وفتحت غرفتي البسيطة المتسخة والمترهلة السقوف بجدرانها المتشقِّقة والرطبة , عندما تراها يتبادر لك أن البصرةَ ضُرِبت بزلزال قريب.
رجعت إلى كامل شعوري إلا أني شعرت بصداعٍ خفيف يضرب رأسي , فتقدمت نحوي شاهرةً أنوثتها , ومنقضّةًعلى شفتيّ, ورقصت على صدري بعد أن نثرت على وجهي كلَّ ملابسها, فتشابكت أغصاننا في حدائق حالمة ، كانت ساعات عسلٍ قصيرةٍ وهي تتزلق بين كفيّ , وتتفتت بأطراف أناملي فسقتني نبيذ الرغبة فوق سرير الألم , فتناثرت روحي في أنوثتها الحمراء .
فقالت : متى تذهب إلى الكويت ؟
أدهشني سؤالها فقلت : ماذا ؟ الكويت …!
ومن قال لكِ سأذهب إلى الكويت ؟
قالت : عندما سكرت تحدَّثتَ وبحتَ لي بكلِّ شيء ، حاولتُأن التفَّ عليها لكن بلا فائدة .
فقلت لها : أصدقك القول نعم ولكن كيف سأذهب ؟
قالت : أعرف رجلاً كان يتردد دائماً عليَّ في البار وسأطلب منهُ مساعدتك ، لا أعرفك نعم , لكني لا أعرف الدافع الخفي الَّذي يدفعني لمساعدتك , وعلى كلِّ حال فباستطاعة هذا الرجل أن يساعدنا .
قلت: لها ما اسمهُ ؟
قالت : اسمه فاقد يسكن مدينة “الطويسة” ويلقب بفاقد حشيشة ، حلَّ الصباح وذهبت شيماء إلى “الطويسة” للقاء حشيشة فتبادلَا أثير الشوق الكاذب عند لقائهما في بيتهِ بعد أن حَصَدَتْها نظرات زوجته الحارقة التي لا تلين وهي تمدُّ عنقها اللامع كالحمامةِ , وعيناها مليئتان بالفضول لكنَّهُ يتبادل معها سعادتهُ بدهاءٍ وحيلٍ تدفعها نحوهُ بجنون.
قال لها : ما بكِ؟ ونظر لها بطرفةِ عين فانسحبت فور نظرته مرتعدةً خائفة ومقتنعة على الرغم من إجهاض عينيها المليئتين بالفضول، ثمَّ قال لشيماء : ما المقابل ؟
قالت لهُ : ما رأيكَ بـــ300 ألف دينار …
قال : أجل , وماذا غير النقود؟ !
قالت : فهمتكَ وسأكون معك لليلتينِ !!!
قال حشيشة : اتفقنا … أريده مستعداً في الساعةالواحدة بعد منتصف الليل …..
جاء فاقد لفندق الوطن وأقلَّهُ من هناك الساعة الواحدةوالنصف بين الطرق المتعرجة والنيسمية ، حتى وصلاالكويت وأخبرهُ حشيشة بأنهُ سيذهب مع صديقه البدويّالكويتي مناحي ويخفيه بسيارتهِ الكبيرة بين الخراف، وصارفيصل أمانةَ حشيشة بيد البدوي الكويتي حتى أوصله إلى قلب مدينةِ كاظمة المفعمة بودِّ الخليج وَوَلهِعذوبته الصافية عندما يسقي عروقهُ من شطِّ العرب .
اتصل فيصل بنواف وأخبرهُ أنهُ بحث عنهُ كثيراً وهو الآن ينتظرهُ في مركزِ مدينة كاظمة ، فرح نواف وسُرَّ كثيراً بمجيء صديقه العراقي إلى الكويت وقال له : عشرُ دقائقٍ وسأكون بجوارك وتعانقا عناق الحنينِ والثبات وأبلغهُ بتحيات العطّار , وجلسا مع توالد الذكريات فقال فيصل لنواف : إني وإن كان جميع العالم حولي لكنِّي أشعر بوحدتي وغربتي بعدما حرقتنا الحرب وأكلنا من خبزها الدامي مرتين.

أضف تعليقاً