من على بعدٍ رآها رأي العين .. مُتلهّفةً .. ما تزالُ تتقدّمُ خطوةً وتتأخّر خطوتين.. ساورَه الشّكّ ؛ وقْعُ أقدامِه المتثاقلةِ لم يسعفْه بالإسراعِ أكثرَ من ذلك .. فكَّ الضِّمادةَ المربوطةَ على سمّانةِ السّاق الأيمن .. لوّحتْ له بيدِها اليسرى .. انقبضَ قلبَه الّذي ينبضُ بثلثِ قوتِه . على فقدِها ذراعِها الّذي لطالما ربّت على كتفِه في أوقاتِ العُسرةِ .. ألقى على طولِ ذراعِه ما كان يحملُ من هدايا, كثمنٍ نذِيرٍ لسنين غربته, فالمسافةُ بينهُما صارتْ بعيدةً, ومهما تهوَّر في ردّةِ فعله, فلن تكون أسوأَ ممَّا مضى !. جمعَ كلّ ما بقيَ لديِه من قوّة .. اندفعَ تجاهَها حتّى لا تكبُ على الأرضِ من شدّةِ لهفتِها عليه .. في مرورِ طيفِ ولده الأصغر عندّ عتبَة الدّار, وهو يُقبّل يدِيْه مودّعاً, لا تنسَ هديّة تخرّجي العامَ القادمَ يا أبَتي, لم يكن يدري أنّه الّذي سيأخذُهما إلى الجنّة, بشهادتِه دفاعاً عن الوطن.
- العودة
- التعليقات