كانوا خمسة أصدقاء طفولة، جمعتهم الأيام ردحًا من الزمن ثم فرقتهم كعادتها، ربطتهم أواصر الجوار، ومرابع الطفولة، ومقاعد الدراسة. سافر بعضهم للخارج وأقام الآخرون، عادوا للتلاقي بعد التخرُّج في الجامعات المختلفة، والتشتُّت سنوات للعمل هنا وهناك. روى كل منهم ما حدث له في هذه الغيبة الطويلة، إلا واحدًا التزم الصمت، واكتفى بالإنصات والتعليق، فاحترموا رغبته.

لم يسلم أحدهم من بصمات الزمن الدامغة، زحف الشيب إلى الأفواد، والصلع إلى أعالي الجباه، تراخت العضلات المشدودة، وتدلَّت الكروش المترهلة، واحتجبت الأعين الكليلة وراء النَّظارات، روح الفكاهة القديمة تراجعت كثيرًا ورفعت الراية البيضاء، أمام جيوش الهمِّ الزاحفة من كل حدب وصوب، بعد أن عركتهم رحى الأيام والليالي، وناءت كواهلهم بتبِعات الزواج والأولاد، والغلاء، وتقلُّبات الظُّروف السِّياسية والاقتصادية.

تباروا كلهم في صبِّ جام الغضب على الحكومة والمسؤولين، وانتقدوا السياسات الفاشلة التي جعلت منهم فئران تجارب، وعفن الفساد المُتفشِّي في كل المجالات. وحده الصديق الثَّائر الذي كان يقود المظاهرات الطلابية، وتهتف وراءه الجموع بسقوط النِّظام ولعن الظَّالمين، لم يشاركهم موجة السُّخط والغضب، بل كان يدعو للصلح والتسامح ورأب الصدع. لم يفهموا سرَّ التحوُّل الغريب في مواقفه، حتى عرفوا أين قضى سنواته الأخيرة.

أضف تعليقاً