..ملأني الرضا، وساح الارتياح في حقل روحي كنسمة ربيع. وأيقنتُ أن أملي سيتحقق هذه المرة، عكس المرات السابقة. ولن أعود خائبا، مشبعا بالسخرية بعد أن يُرفض طلبي بامتعاض واستهجان، إذ كيف يُعقل ان يهدر الغول وقت أكله الثمين في امتشاش كومة عظام قذرة.!؟ ماعدتُ مجرد هيكل عظمي بائس يلم شتاته جلد أصفر، يثير غضب شهية الغول وقد يصيبها بالغثيان.! لقد صرت مثخنا بالسمنة، الى حد أن ساقاي أوشكتا على التعب من حملي، ولحمي طريا لازال،فكيف يُرفض طلبي هذه المرة، ولا أحد من المنافسين في الطلبات يضاهي سمنتي.!؟ لهذا كنت واثقا أنه لم يتبق امامي طويل وقت حتى انتهي طبقا شهيا على مائدة الغول المقدسة؛ ولن يذهب كل ذاك الجهد المضني والوقت الطويل كي أتجاوز سقمي، وأصبح سمينا بما يرضي الغول، أن يذهب سدى ولاينالني رضاه وتمنحني أنيابه المباركة صك العبور الى جنات الخلد.! فما خُلقنا إلا ليلتهمنا الغول..هذا ماعلمنا إياه آباؤنا وأجدادنا في الحظيرة، ونشأنا عليه، ولأجله نعيش، وهو اليوم الأقدس في نهاية أعمارنا التي بيد الغول إن شاء طالت وإن لم يشأ قصُرتْ. والويل للذبن لم ينل لحمهم رضاه، وسُدَّ طريق الحج الى معدته الوسيعة أمامهم، ولم تمنحهم أنيابه المباركة صك الطهارة، وبئس مصير لحمهم جيفةً نجسة تتناهشها أنياب الكلاب.! لهذا كان أبي من المغضوب عليهم، أولئك الذين لم يفلحوا ولن يفلحوا أبدا في أن يصبحوا ذوي سمنة لائقة، ونذروا عمرهم التعس للكد والشقاء لأجل تسمين الآخرين الذين أُنعِم عليهم بفضيلة الشحم، لعل في الدار الأخرى ينالهم بعض من ثواب، ولم يكن من الضالين.! وهكذا كد أبي جل وقته، تنازل عن الراحة، إكتفى بفتات من لحظات مسروقة للنوم، صاحب الجوع وظل يفلت منه دوما بين لقيمة وأخرى، إنبطح مع الذل ساعات ولم يتأفف، كي أسمن أنا، ويرضى عني الغول، فينال منه أبي بعض من ثواب.! هذا مع العلم أنه لم يعد متاح لأي كان، حتى يسمن أبناءه، ليحظوا بفرصة العمر، التي تنفتح معها أبواب السماء، في إنفتاح أبواب مذبح الغول الجليل امامهم، كي تمنحهم كف الكاهن الطاهرة بركتها وتمسح على رؤوسهم ليمر السكين المقدس بعدها على الاعناق فاتحا طريقا جديدا لتصعد الأرواح مباركة الى العليين.لم يعد متاحا لأي كان أن يحظى بهذا اليوم العظيم، حتى ولو كان سمينا، فليس جميع اللحوم سواسية كأسنان المشط.! لقد تعقد الأمر أكثر، بعد أن صارت هناك مختبرات ذكية تفحص جودة اللحم، بعد قبول الطلب، وتراقب الغش في إستعمال مواد اصطناعية في التسمين، عوض المواد الطبيعية الأصيلة، فصحة الغول خط أحمر، وشعار المرحلة:( البيو)، وهو رمز نيل رضا العبور المبارك الى العالم الآخر الدائم.! لهذا صار لزاما لمن أراد ان يحظى بطلة بهية من أنياب الغول المهيبة، دون الآخرين، أن يعتمد حصرا على ماهو طبيعي أصيل، بمؤازرة خبير متخصص في الميدان، وبالتالي أن ينفق مبلغا كبيرا من المال والوقت والتوجيهات كي يصبح سمينا بشرف.! ورغم هذا استطاع والدي، بكفاحه المستميت، أن يوفر لي الشروط المعنوية والمادية واللوجستيكية
لأصير سمينا يخطف الشهية.! لم أخيب ظنه ، كنتُ نعم الإبن الصالح، لم أخلف ميعاد وجبة قط، وفي كل الاوقات حاضر، لم تتوقف فكاي عن مضغ النعم يوما، كي أحظى بالنعمة الأكبر في أن تمضغني أنياب الغول المباركة.! لهذا تركته مسرورا، ينتظر، بلهفة، فرحة عمره لما أعود إليه بخبر قبول الطلب، إذ ستعلوا زغاريد أمي كما لم تفعل من قبل. وكنت واثقا أنه سيعانق فرحته هذه المرة، وجلستُ الى الكرسي راضيا عن مصيري، مدركا أن ومضة ألم السكين ستخفت حالما يمر حده على عنقي، ولن تساوي شيئا امام لعنة ستلحق روحي في دار الخلد الى أبد الآبدين، إذا لم أحظ برضا الغول.! انتظرت نتيجة الامتحان، ليعز المرء او يهان، صاغرا، في ساحة الانتظار امام إدارة تقديم الطلبات، ولم أتوقع أن يطول الانتظار طويلا، بعد أن تم قياس وزني ومعاينة شكل سمنتي وتحديد هوية لحمي، الى حد أن بدأ يساورني الشك في امكانية ان أسمع نداءا باسمي، ولم أستطع سؤال أحد، ومن يستطيع السؤال.!؟ لكن فجأة إنفتح باب مكتب، ونادى صوت كأنه من معدن إسمي، وقال: تعال..!
جرجرت جسمي المثقل باللحم والشحم على قدمين مرتبكتين، وذهبت إليه، ليصفعني بجملة باردة كطعنة غدر خرجت من فمه بنبرة كأنها تخرج من حلق روبوت: ( حالتك خاصة، كلفتنا وقتا وجهدا لاستشارة السيد الغول بنفسه، في أمرك انت، وانت تعلم أن وقته مزدحم كما تزدحمون انتم على باب الإدارة بطلباتكم، وهذا يكلف مالا كبيرا عليك ان تدفعه، وسنرسل لك استدعاءا بأوان الدفع، وطلبك رفضه السيد الغول، خبير الخبراء ،بشخصه الكريم ، لأن لحمك مُرّ رغم أنك تستوفي كل الشروط الأخرى وبشكل ممتاز.!) صُعِقتُ. كدت أسقط، فيم كان الموظف يضع طابعا خاصا على جبهتي. جرجرت جسمي الذي اصبح أثقل وأثقل خارج الإدارة بصعوبة بالغة، ولم أصدق أن لحمي مُرّ.!ثم خارت ساقاي تحت كتلة لحم ضخمة ترهلت دفعة واحدة، وسقطت على الأرض عاجزا عن الوقوف ثانية، لم أحاول حتى. أظلمت الدنيا والآخرة في عيني، فرأيتني فُقْمَة فتحت عينها المذعورة فجأة على شاطئ مهجور..ثم شرعت تزحف وتزحف وتزحف… لكن لا رائحة بحر في انف الافق المنظور.!

أضف تعليقاً