ألقتْ به امواج النوم، فجأة، على شاطئ اليقظة، فانفتحتْ عينه كنافذة خبطتها ريح عاتية مباغتة، وصفعه النور على خد بصره الذي دار في الغرفة دون ان يتبين شيئا، وارتد خاسئا الى بؤبؤ بدا كنقطة صغيرة سوداء في بحر ابيض.! ظل ممددا كجثة للحظات، دون ان يستطيع تحريك اي من اعضاء جسده، ماعدا عينه المفتوحة كنافذة محايدة مشرعة على خارج لاتراه؛ شعر ان قوة رهيبة سوداء تطبق عليه، دون ان يحددها او يعرف مصدرها او ملمسا لها، كما شعر بنفسه محض احساس من ألم خام تحت صخرة رعب هلامي في صحراء لالون لها، ولم يستطع ان يصرخ.! لكن سيارة اسعاف زعقت فجأة وايقظت ذاكرته، وعرف انه على السرير في غرفته بعد ان لجأ الى النوم، قبل الظهيرة، هربا من ضيق خانق أطبق على انفاسه، في بداية الاسبوع الثاني من الحجر الصحي العام، إذ صار يشعر بنفسه كشجرة أقتلِعتْ من تربتها ولازالت جذورها تنتظر فوق بلاط املس و اغصانها تهفو، تحت سقف مظلم، الى فضاء من نور تتمطى فيه.! نظر الى الساعة الرخيصة المعلقة على الحائط، وجلس مشعث العقل على حافة السرير، يفكر في حاله كيف صار كيانا مفككا يستيقظ منه عضو فيما الباقي يظل نائما، كأن تستيقظ العين وتنفتح ككوة بلهاء فيما تظل الذاكرة في شخير ولايستطيع تبين أين هو ولا من هو للحظة يساوي عذابها المطلق عذاب دهر.؟ لم يتذكر بالضبط اسم يومه ذاك، إذ صارت الايام مجرد اسماء متعددة لسحنة وقت واحد محتجز بين سد من جدران بعيدا عن مجرى الزمن؛ لكنه لملم شكه في يقين قاطع من انه، في مثل تلك الساعة من بعد الظهيرة ومهما كان اسم اليوم، يكون قد عد ماتراكم في جيبه من نقود، وعلق صندوقه الخشبي على كتفه، بعد ان انفضت الحلقة عنه، وغادر السوق في اتجاه المقهى ليتغذى ويستريح.! ظن نفسه لوهلة ميتا وقد عادت إليه الروح، وان الغرفة مكان لايعرف له اسما في غير الدنيا، لكن الغيطة الممدودة امامه على الطاولة الى جانب كأس الشاي، كانت تقول له: انت موجود في الدنيا، انت حي.! فنهض، وانحنى تحت السرير، ثم اخرج الصندوق الخشبي، وفتحه. لكن الافاعي التي بداخله بدت غاضبة، ولم تسمح له ان يمد يده ويخرجها كما يفعل عادة، حاول ان يهدأ سخطها، وقال لها بنبرة ودودة: ( لاتغضبي، يامسعودة..كلانا في الحجر، انت في صندوق من خشب، وانا في صندوق من جدران تحت سقف عمارة من اسمنت وحديد.! اقدر شعوركِ، بعد ان ذقتُ معنى ان لاتكون السمكة في الماء مكانها الطبيعي،و ان لاتكون الافعى في الرمال، و لااكون انا في الحلقة.) لكن مسعودة لم تكن سعيدة، ولم تسمح ليده ان تمتد إليها، فتركها مبتسما، وتناول الغيطة، بعد ان شمر كُم جلبابه فيما تدلى طرف العمامة على جبينه الملوح بالشمس، وراح ينفخ فيها كما لو كان في السوق، لعل ذاكرة الرقص تستيقظ في رأس مسعودة وتتخفف من غضبها.! أخذته انغام الغيطة بعيدا وطاف كل الاسواق الصاخبة في ذاكرته، ولم ينتبه إلا على وقع طرق قوي على الباب الخارجي للعمارة، فظن ان سكان العمارة، وبعد ان ضجروا من بيوتهم المقفلة عليهم، بداوا يتوافدون عليه ليروحوا قليلا ، الامر الذي سيمكنه من إقامة حلقة صغيرة في غرفته. قام مسرعا الى الباب الخارجي ليفتحه، وترك باب غرفته مفتوحا،بعد ان انعطف الى جانب الدرج الصاعد والغيطة في يده. لكنه تفاجأ برجال الامن امامه وقد علا الغضب وجوههم، ورفع نظره الى الاعلى حيث كان يصرخ رجل غاضبا، ولم يسمع غير : أَأنت احمق.!؟ تذكر انه ترك صندوق الافاعي مفتوحا، والتفتَ الى باب غرفته المشرع، ولمحها تخرج وتزحف مسرعة على الدرج صعدا الى الاعلى، ففغر فمه، وخار على الارض فاقدا الوعي..ولما استعاده وجد نفسه مصفدا داخل سيارة الامن، بينما سكان العمارة المرعوبون في الشارع يصرخون. خفض رأسه، ورأى نفسه في السجن يلم حوله حلقة من المساجين، لكن دون غيطة او صندوق افاع، فبكى..!
- الغيطة
- التعليقات