منذ حصوله على اﻹجازة لم يستطع محمود الحصول على عمل، لا كمرسم ولا كمتعاقد ولا كمياوم، فجسمه النحيل لا يقوى سوى على حمل القلم.
مع اﻷيام أصبح صديقا لفقيه القرية. يؤذن مكانه حينا، ويصلي بالناس أحيانا، ويشارك الفقيه أكله الذي يتناوب الأهالي على مده به.
اليوم يُفاجِئُ الفقيهُ صديقه محمود بطلب غريب عبر مكالمة هاتفية عاجلة :
– أرجوك أن تنوب عني في إلقاء خطبة الجمعة والصلاة بالناس، فأمي توفيت وعلي السفر حالا إلى حيث كانت تسكن.
– تعازينا الحارة يا شيخ…إنا لله وإنا إليه راجعون…اطمئن، سأنوب عنك…
يرد محمود بحزن…
هَمٌّ جديد انضاف إلى همومك يا محمود…اليوم الخميس وغدا الجمعة فما عساك ستقول في خطبتك؟!
بحث في كتبه القديمة التي وضعها سابقا برف مهجور…نفض عنها آثار الغبار ، ثم مرر عينيه على عناوينها، ليقف عند كتاب خاص بخطب الجمعة سبق له أن اقتناه عنما كان طالبا بالجامعة…
احتار في أمر موضوع الخطبة، فكل أمراض المجتمع متوفرة بالمدشر…النميمة والغيبة …النفاق …ترك الصلاة…الفساد…
بدا العياء واضحا على محياه من كثرة القراءة، لينام في سريره بجانب زوجته ” رحمة ” والكتاب في يده…
المسجد مملوء عن آخره، والمؤذنون الثلاثة أنهوا حصص آذانهم….محمود يمسك بالورقة وعكازه بيده…غير خائف ولا متردد :
باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله …إني أراكم أمواتا في لباس أحياء…لذا أنصحكم ونفسي بتقوى الله والعمل للآخرة …نعم للآخرة فقط، أما الدنيا فقد اقتسموها فيما بينهم في هذا الوطن …
إنكم مجرد كائنات انتخابية، تُملأ بأموال ضرائبكم الصناديق التي أفرغها لصوص الوطن…فبالله عليكم بِمَ أنتم مواطنون ؟!…لا صحة ولا تعليم ولا طريق ولا حرية…نعم أنتم معتقلون في هذا الوطن …فكَّ الله أسْرَكم .
لاحظ محمود أن أحد أعوان السلطة يُخرج هاتفه من جيبه، فأكمل خطبته قائلا:
– عباد الله… الكلام في الهاتف أو النبش فيه خلال الخطبة لغوٌ …” ومن لغا فلا جمعة له “…
وهنا يقف عون السلطة ويتجه نحو مكبر الصوت ليقطع عنه الكهرباء!
عند حلول المساء كان محمود ضيفا على سجن القرية…لكن هيهات …فمحمود عبقري… لقد خدع الحراس، وقرر الهروب، ليقفز من فوق سور السجن…وفعلا قفز…ليرتطم جسده النحيف بأرض بيته موقضا زوجته التي سألته وهي تتثاءب :
– ما بك يا محمود ؟
– لا بأس…لقد سقطت عن السرير وأُصبت بوعكة في ظهري…هيا ساعديني لأقف…والله لن يركعوا خلفي بعد اليوم…
– خيرا وسلاما يا محمود…
ترد الزوجة مهدئة من روعه.
- الفرار من السجن
- التعليقات