عند الجامع الذي يتوسط الحي،وفي ذلك الوقت الذي بين المغرب والعشاء،عندمالا يجدالناس ما يفعلونه..تشرئب الاعناق وتشخص الابصارنحو الهلال الذي يبدو رقيقا كشعرة وهم يتخافتون ثم يجهرون انه ابن اليوم..بل الامس يرد اخرون،ولا ينتهي الجدال الا عندما يتدخل المؤذن بصوته الواثق انه ابن اليوم ولقد أتممنا الصيام.
كان الهلال كوليد عزيز يحبو على صفحة السماء.. كنا نهف اليه نود لونحضنه وهو ينظر الينا في الاعالي..فهو يجلب لنا العيدوالبهجة..لكن مايبقى راسخا في ذهني ليس الحلويات والفطائر المدهونة بالزبدة والعسل ولا ملابس العيد الجديدة ولا حتى ما يجود به الااهالي علينا من نقود..
تظل فطرة العيد(زكاة الفطر)تبعث في مخيلتي خيالات لذيذة اظل استرجعها ويطرب لها فؤادي الصغير..كانت امي تشمر عن ساعديها وهي تغرف من طبق كبير،تكوم الحبوب تلالا صغيرة،تمتد ايدينا تعبث به فيتبعثر النظام فتصرخ امي وقد رمقتنا بنظرات متوعدة..تقوس حواجبها وندرك مايقع بعد ذلك،اذ ذاك نركن في زوايا البيت نراقب المشهد بنشوة وكان ابي يقعى على فروة يدخن سيجارته..منبها امي اوفي الكيل يا امرأة..
كنا نسكن في حي شعبي فقير من هذه الاحياء المنسية في اطراف المدينة بدون ماء ولا كهرباء ولا صرف صحي.. قدم اغلب السكان من البوادي تحت وطأة الفقر والجفاف وثيابهم رثة وملامحهم حزينة ويبدون كمتسولين يستحقون الصدقات ولكن لا يمدون ايديهم لعزة نفوسهم وعفتهم.. وكانت امي تبعث بالفطرة الى الجيران الى الأعمى والنفارو المقعد السليط اللسان والسكير الطيب العاطل، كنت ارى في العيون بريق السعادة ونشوةالفرح، الا الفقيه الذي يشترط المال، كنت امقته لأنه كان يبتلع صدقات الحي ويكره الفقراء على ذلك، وكان يصنع التمائم للنساء ولا يحفظ من القران الا اليسير.. عندما بعثني ابي لاسلمه الفطرة، دسست درهمين في جيبي ونفحته الباقي.، في المساء جاءنا يخبط الباب بعكازته الفطرة ناقصة ستلقي بنفسك الى التهلكة وستجر على نفسك الخراب..
كان ابي يكسب رزقه من عمله في الصباغة وكانت امي تصرف كل ما يكسب، يقضي سحابة يومه في عمله ولا يعود الا في المساء على دراجته وقد حمل معه باقة النعناع وفاكهة موسمية وكان الصغار يقفزون ويتعلقون برقبته، يحملهم ابي بين ذراعيه القويتين ويقذف بهم عاليا في الهواء ويصرخون صرخات الخوف والفرح.
في ذاك اليوم عاد ابي على غير عادته في غير وقته مشيا على قدميه..كان يرتجف ووجهه داكن لم يحضن اخوتي الصغار، في ركن البيت جثم ابي كان سعاله حادا وبصاقه يخالطه الدم وكان العرق يغسل جسده البارد،قال الطبيب بعدما كشف عليه إن رئتيه قد تيبستامن عمله في الصباغة احملوه الى بيته..
رمضان يلملم اطرافه ويوشك ان يودع مات ابي،ظل البيت ممسوحا بالحزن ممهورا بالكابة وكان الوجوم يخيم على الجميع،كأن ثقل الدنيا قد سقط على صدورنا نتحلق حول امي ينزلق الدمع من اعيننا.. كانت امي تتظاهر انها متماسكة لكن كنت اضبطها تنتحب بصمت وقد أضمرت دموعها كانت طوال الوقت ساهمة وتظل كالغائبة.. كان الالم اكبرمما تتحمله قلوبنا الصغيرة واكبرر من ان تخفيه امي…..
في ليلة العيد كانت ارضية الغرفة مزدحمة بأكياس حبوب مملوءة حتى النصف وعلب شاي وسكر واوراق مالية مبعثرة هنا وهناك.. امي تجلس ناكسة رأسها يهتز هيكلها النحيل تنشج بدون دموع ووجه ابي ينبع من الفراغ والظلام :اوفي الكيل يا امرأة…
سحبت نفسي الى الخارج.. كان الضوء هزيلا والحي موحشا ومعتما..والهلال يبدو شاحبا بلا ضياء مثل حريق في السماء.

أضف تعليقاً