1
غابت أمي طويلا ذلك اليوم ، مشرقة الوجه عادت ، باشة عكس عادتها بالسنوات الأخيرة ، تجاهلت صمتي ، مصمصت شفتيها متابعة بهدوء :
– الحمد لله موفقة إن شاء الله يا ابنتي ، وافقت الهانم على عملك لديهم .
طال صمتها برهة ، تعجب و حيرة وقلق ، بدأت تقرأ آثار غضب تجمد بعينيي ، تغتصب ابتسامة باهتة من حزنها الدفين ، غير مقتنعة تجول بناظريها حولي ، كأنما تبحث تأثير المكان على الإنسان ، ناولتني ورقة صغيرة ، بلهجة متوددة تابعت:
– جاءتنا الفرصة أخيرا ، ها هم بعد طول انقطاع يطرقون بابنا ، لا يريدون قطيعتنا ، هرمت ولم يعد باستطاعتي العمل ، أليس من حقي التقاعد ونهاية خدمة أيضا ؟.
– عاشوا تحركهم مصالحهم ، أسرى لمعادلة واحدة فقط ، أن يكونوا هم الرابحين دوما ، خصوصا حينما تنتزع الأموال من جيوبهم .
– لا أفهم ما تقولين ، فلدينا حقيقة مهمة ، كلتانا لا نعمل الآن .
أنظر في بلاهة ولا أجد ما يقنعني لأقوله ، تستمر في الشرح :
– تعبت وأمرضتني أعباء الحياة ، لاشيء نعتمد عليه سوى جهدنا ، الطريق مازال طويلا والسير فيه صعب .
مازلت غير قادرة على ابتلاع الحقائق التي تقذفها على عقلي :
– مديرة منزل فخم فرصة لاتعوض ، راتب كبير و معيشة مرفهة ، في بلدنا شهادتك هذه لا قيمة لها ، ليست أكثر من ورقة .
أضافت جملتها ناصحة كأنما تغريني بالذهاب .
2
جلست وشياطيني نفكر ، أحتاج العيش وممارسة الحياة ، و ليس ثمة من يتحمل مسؤليتنا، أنا وأمي وأخي الصغير .
مسؤولية أسرة مغامرة قسرية ، الشجاعة الحقيقية تكمن في وعيك بأن قوة تحملك تريح من يستند عليك ، ويمكنه الحلم بالرفاهية ، حتى بأوج الفقر الذي يطحننا ، حلم مشروع و حمل ثقيل ، تتسرب منا الحياة و لا ننتبه لذلك ، و يبقى هاجس النجاح بتحقيق الأمان لمن نحب هو دافعنا للمقاومة ، و يمكن أن نموت ونحن نصارع الحياة لتحقيق حلم .
ولكن ، وألف آه من لكن هذه ، يطاردني سؤال قلق : ما الذي لدي لأقدمه ؟ ماذا تفيد دراسات الفلسفة و اللغات في بلد لا قيمة للثقافة بها ، نبراسنا فيها كلمات مأثورة ، تساؤل سخيف : ومن يعمل بشهادته هذه الأيام ؟ .
3
البيت بعيد في قلب الصحراء ، مساحة كبيرة محاطة بأسوار عالية جدا ، يماثل سور منطقتنا القديم ، سور مجرى العيون .
شجر سرو كثيف مرتفع ، يظهر جزأه الأعلى من فوق السور، أخذني منظره المهيب ، خفق قلبي منقبضا حينما إقتربت منه ، سرت بي رعشة خوف وتوجس ، كمن دخل مغارة على بابا فجأة .
أخطو برتابة بجوار السور لأقيس طوله ، مسافة كبيرة أتعبت قدماى المتورمتين من طول مشواري بالحياة .
البوابة الرئيسية ضخمة كباب قلعة ، يكمن خلفها بضع شباب مفتولي العضلات بزي موحد ، تخبرنا عيونهم عن قيمة من يمر أمامهم ، كانت نظرات الشك من نصيبي ، رموني بالريبة والإستهزاء في آن واحد , وسؤال تردد خمس مرات : أنت رايحة فين ؟
كان لدي إجابة واحدة ، بجدية وتجهم أشهرت بوجههم كارت به عنوان وإسم أصحاب القصر .
طالت فترة الإنتظار ، جاء الرد ، سمحوا لي بالدخول ، أشاروا لي باتجاه السير نحو المكان المقصود .
4
من البوابة للقصر مشيت حوالي خمس دقائق على قدمي ، نقلتني للجنة التي تخيلتها كثيرا ، تطابقت وما قرأته بالروايات العاطفية .
أنهار منسابة رقراقة بمياه هادئة زرقاء ، تخترق مساحات خضراء شاسعة ، وتتخللها بنايات كبيرة ومتوسطة من طابقين أو ثلاثة على الأكثر ، صوت موسيقى هادئة رائعة تتسلل للروح بهدوء وخدر لذيذين ، الشمس تتوسط السماء بأحد أيام سبتمبر ، نسيم طري يداعب أشجار البلوط التي ترسم حدائق مربعة ودائرية تتناثر بين البنايات .
منظر يحتاج مائة كاميرا وفنان ليخلد كل هذا الجمال في لوحاته .
أسير لا أصدق ما أرى ، تناغم وهارموني وموسيقى ، كأنها بحيرة البجع أو الدانوب الأزرق ، كان وجودي نشازا وسط هذه اللوحة .
الفيلا ، أو القصر أيهما شئت ، أنظر لوجهي بحوائطها من الخارج ، أما من الداخل فقد كانت عيناى وفمي مفتوحين لا إراديا ، على الرغم مني تجاوزت الباب الذي إنفتح وحده حينما دق الحارس الجرس .
قلت لعلها مغارة على بابا ، وقد كانت ، تصميم خرافي لم أر مثله من قبل في كل أفلام السينما المصرية والعالمية : هل أنا في مصر ؟
سؤال لابد أن يسأله كل من يجوس هذه الجنان والقصور ، والإجابة أبدا ودوما موجعة ، بحسب المنطقة التي أتيت منها ، ولذا كانت غصة الحلق وقبضة القلب ، وسحابة قاتمة تغشى عيناى ، وأتمنى لو أصرخ وأجري هربا مما رأيت .
5
بدى الهرب خيارا خاطئا ، فجأة وجدتها تقف قبالتي ، تمثال مرمري لملكة مستبدة ، تصوب نظراتها لكل تفاصيلي من أسفل لأعلى ، جمدت بمكاني كأنني أمام قاض سيحكم بإعدامي .
بابتسامة فاترة باغتتني بسؤالها : هل قالت لك أمك عن طبيعية العمل ؟.
هززت رأسي علامة الإيجاب ، تابعت بصلف وكبرياء قذف سيل تعليمات وتكليفات وتحذيرات ، وصلت لنقطة التهديدات التي أطلقتها بإسهاب بلا داع ، انتهت أخيرا ، لكنها لم تقل حرفا واحدا عن الراتب أو المميزات أو حتى الراحات والإجازات .
تساءلت لماذا لم تقل شيئا ؟ هل سأعيش على فضل إحسانهم ؟ أم أن الطبيعي أن يكون هناك إتفاق وقبول وإيجاب ؟
سذاجة تساؤلاتي أرغمتني على الصمت ، بل وإعادة التفكير في الأمر برمته ، فقد أدركت حجم الهوة التي بيننا .
أحساس رهيب بالمبالغة لأنني استخدمت كلمة بيننا ، فلا مقارنة هناك البتة يمكن عقدها بين الجنة والنار .
6
امتلأ عقلي بفكرة العدل ، منتهى المثالية ، فخطأ أن أفكر هكذا ، الجائع يحلم بسوق الخبز، تساءلت عن معناه الحقيقي في وجود هذه الفوارق ، مقارنة بين ميت وحي ، يمين ويسار ، أعمى ومبصر، جائع وشبعان حد التخمة .
عبثا هو تصوري أن نتساوى جميعا بكل شئ ، فكرة هزلية أبعد ما تكون عن التحقق ، فهل نعرف حجم الثروات والمتع وهل نستطيع حسابها ؟ ناهيك عن العدل بينها ؟
استجمعت قواي، استفسرت بصوت خفيض : وماذا عن ساعات العمل والراتب ؟
أجابت بثقة : ستنالين راتبا عادلا ، مكافآت ومميزات أكبر مما تتخيلين ، ملابس وسفريات . سمعت ما قالت ، أحسست بعدم الإطمئنان ، ولكني قلت في نفسي لعله خير .
7
بدأت رحلة عملي المضني لساعات النهار كله ، ومعظم ساعات الليل ، الإسم مديرة منزل والفعل ( مرمطون ) .
سارت الأيام سيرها الطبيعي ، الأغنياء منغمسون في المتعة بكل أنواعها ، والخدم مثلي ، وهم كثر بالفعل ، يعانون و لاحياة لمن تنادي .
العائلة نموذجية ، الأب والأم وولد وبنت يدرسان بالجامعة الأمريكية ، متقاربان معنا بالسن ، أنا والسائق والجنايني ، قد أنهينا دارسة الفلسفة والتجارة والزراعة.
تشابكت العلاقات بيننا ، أبناء الست وأبناء الجواري ، كأنه فيلم عربي سخيف تسبب بالفجوة الأولى والأكبر في حياتي .
حاول الإبن الغني معاملتي كأحد ممتلكاته ، تناسى أن الأنثى الحقيقية لا يمكن تملكها ، كرر المحاولات بغباء شديد ، كان يراني عملة بوجهين ، وعاء للجنس و خادمة مطيعة ، متجاهلا كرامتي ، والتي تقف دوما عقبة بطريق من يحاول سحق إرادتي ، بل تدفعني دفعا للتضحية بأي وكل شيء ، المهم ألا يمتهنني أحد .
8
تقاربت فكريا مع الجنايني ، مهندس زراعي بشركة تنسيق حدائق تتولى المجمع ، فتى قوي أمين بعمر السادسة والعشرين ، صادق المشاعر، جامعي مثقف يعمل جناينيا ليوفر نفقات الزواج ، يحلم بمشروع عمره .
يسير قلبي مجبرا على هوى عقلي ، غالبا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن .
واقعية أنا ، لم تراودني أحلام العز، أكره الكلمات المعبرة عن الرفاهية والجاه والغنى الفاحش ، لا أنساق وراء كلام السينما .
أفلامنا العربية دمرت كثيرا من الأخلاقيات الحميدة ، نرتكب حماقات كثيرة متعللين بضغوطات ومعضلات الحياة ، موروثات خاطئة زرعتها بأذهان البنات ، ترهات عن الهانم سيدة القصر، والغني الذي يتزوج بنت الفقراء .
وليس أقلها أحلامنا بالفارس الذي سيخطفني على حصانه الأبيض ، ونطير فوق السحاب .
شوهنا الفن نحن بنات الفقراء ، ( لخبط ) تفكيرنا ومشاعرنا ، روج لمفاهيم ملتبسة بعقول معظم البنات ، خصوصا أحلامهن في الزواج من ابن العائلة الغنية .
بسببه فشلت كتير من العلاقات الزوجية .
9
أحببت حسن الجنايني ، ( خولي ) الجنينة كما كنت أناديه ، جمعتنا أوقات تواجده لمباشرة العمل بالحديقة ، كنا نتنسم عطرا مكنونا بالقلب والعقل ، عشنا علاقة رائعة سامية ، خططنا لنهاية العلاقة في بيت الزوجية .
حلمنا أكبرمن مجرد زواج ، رغبة صادقة لنبني أسرة قوية ، دعائمها الحب والتفاهم والتقارب .
رغم كل ما نعانيه ، استطعنا كسر قيود الفقر والحاجة والأشياء ، رأينا أن تكتفي بغرفة واحدة ، حتى لو كانت بلا أثاث أو زخرف أو ما شابه .
روحنا الشابة تمردت على تعلقنا بغير الحب ، فقد عانينا من لحظة الميلاد تحكم الكوكب كله ، فيحد حريتنا ويحدد علاقاتنا ، حتى أجسادنا وأرواحنا .
كانت أيامنا معا أروع من قدرتي على وصفها ، دفقة مشاعر رائقة صافية جميلة ، ملأت قلبي سعادة وحبورا ونشوى ، كنت أتمنى العيش دوما بهذا الحلم ، ولكن ، كلمة يأتي بعدها الألم .
ظل الآخر يطاردني في كل وقت ومكان ، لايتوانى عن انتهاز أي فرصة للإختلاء بي ، أشعر دوما بأنه حيوان متوحش سينقض على فريسته بأي لحظة ، رغم أنه يبدو عكس كل أقول .
يا لحيرتي ماذا أفعل ؟
تجربة قاسية زادت همي، تجاذبتني عواطف شتى ، خوف على الشخص الوحيد الذي ملك قلبي وعقلي ، حرص على مصدر دخلي ، وقبله ومعه وبعده كرامتي .
كان على أن أهرب من هذا الجحيم ، و لكن المواجهة كانت هي النتيجة الحتمية لحل هذه المعادلة المختلة منذ البداية .
10
وماذنبي إذا كانت المعادلة مختلة قبل أن أولد أنا ؟! أأدفع ثمن جريمة لم أقترفها ؟
وهل الفقر جريمة ؟ يكاد رأسي ينفجرتحت وطأة ضغط أسئلتي .
سيظل الفقر، قدرنا ، هو أكثر إطار يمكن أن يخنقنا ، وسنظل محبوسين به كصورة شخص مات من ألف عام ، و مازال لوجهه نفس النظرة المتجمدة ، كمن ظل ثابتا على مبادئه منذ قرروا سجن روحه بهذا الإطار .
حاولت الخروج من هذا القمقم ، وليس مهما بالنسبة لي ، ولم أسع له ، أن يكون انتقال من ضيق فقر لرحابة غنى فاحش ، والذي صدمتني صورته حينما عشت هناك خلال الستة أشهر الأولى من عملي .
يا وجعي من مشاعر منتبهة أبدا ، أرهقتني فكرة وظيفة الشغالة أو الخادمة ، نعم فهي كذلك ، هذا هو مفهومها الصحيح عندي ، حتى لو تخفت تحت مسميات براقة ، حتى لو كانت بلغات وألسن غربية ، فكل هذا لا يغير طبائع الأشياء ، حتى لو كانت فكرتي هذه خطأ من أساسها. أحسست أنها شيء مخز ، وكأنه سبة في جبين الإنسانية ، صك عبودية جديد بصورة حديثة تتماشى وروح العصر، كل هذا يقلل من آدمية الإنسان ويحط من كرامته .
11
كل تجربة مؤلمة لها جانب آخر جيد ، أيقظتني على وجود هذا الجب الهائل بيننا وبينهم ، نركزعلى الجانب البيولوجي من ممارسة الحياة ، لنصل حد محاولة البقاء على قيد الحياة ، لانطمع بأكثر من لقمة وهدمة وسقف نتدارى تحته من حر الصيف وبرد الشتاء .
أما هنا فالحياة تعني نسيان البيولوجي تماما ، فهم آمنون من هم التفكير فيه ، فقط يجيدون فن ممارسة الحياة ، متقنين الإستمتاع بالحياة من جميع الوجوه .
الملابس تعني الفخامة والإهتمام بأن تكون قطعا فنية ، وكذلك الأكل ، أما بيوتهم فهي غالبا متحفا أو جنة تحاكي ماسمعت به من حكايات ألف ليلة وليلة .
عانيت إحساسا مؤلما فلمن أشكو ؟
– ربنا جعل الناس طبقات كي تسيرالحياة .
جملة أمي التي كرهتها ، بل كرهت كل من يقولها .
فالله عادل جدا ، لابد أن تسير مقدراته كلها بالعدل ، لم يأمر بشرا بسلب حقوق الآخرين و سحقهم .
– وماذا بيدنا يا بنيتي ؟ لاترهقي نفسك بكثرة التفكير ، فالله عادل كما تقولين ، دعي الملك للمالك .
تقولها أمي وتتركني لعالمي الخاص الذي لاتعترف به إطلاقا .
علمتني الفلسفة الغوص في أعماق الأشياء ولذا كانت حيرتي قاتلة ، انحزت دوما للبساطة دون تبذل ، وعلى دوما تحمل عواقب هذا الإختيار .
صارت نقاشاتي مع أمي حفلات تعذيب مؤلمة ، لم تلتق وجهتا نظرنا يوما ، ويبدو أنها لن تلتق أبدا .
12
حسن ، حسن الخلق والخلقة ، كنت يوما أقرأ رواية عاطفية ، لم أكن مغرمة بها ، كان البطل هو حسن ، تمنيت أن يكون بطلي مثله ، هو الرجل بالنسبة لي ، و أنا الأنثى بالنسبة له ، حياة ممتدة من الأحلام والحقائق التي نسعى لها .
صار هو النفس الذي يدخل رئتي ، ومن منا لايحب الهواء النقي ، كصفحة سماء زرقاء في يوم مشمس جميل في ساعة ماقبل الغروب ، بيوم من أول أيام الربيع .
– صرت رومانسية جدا .
يقولها حسن ضاحكا ، تغار الشمس من النور المنعكس على صفحة وجهه .
– آه يا حسن لو تعرف كم أحبك ، كم أخشى عليك من الدنيا ؟
– أراك تتقمصين دور أمي ، هوني عليك فلن يفرق بيننا إلا الموت .
حينها تنساب دموعي بلا سبب .
– آه لو أختبيء في قلبك ، أعيش به بعيدة عن كل الناس .
– غدا أفضل إن شاء الله .
– يطمئنني حديثك ، يرتاح قلبي ويهدأ على وقع شعورك هذا .
13
الحب نعمة كبرى ، جملة تعمق معناها بعد ارتباطي بحسن ، اعتراني تغير كبير في نظرتي للحياة ، الحقيقة أحببتها جدا ، بدأت لدي بوادر خطط لحياة مستقرة ، حذفت مهنتي من أساسيات خطتي ، برغم أنني أعاني وأخشى زيادة معاناتي لو تركت العمل لديهم ، لكن ثمة يقين يقويني أنني سأعيش أياما جميلة وسعيدة ، وبأقل تكلفة مادية ممكنة .
نقاشي معه لايخلو من علامات تعجب ترتسم على وجهه بحدة حينما يسمع هذا الكلام ، يركز على جانبه العقلاني من فكره ، رغم أنه متعب ومرهق دوما من كثرة العمل .
مؤمنة أنا أن الطيور على أشكالها تقع ، رغم وجود بعض الفوارق بنظرتنا للحياة ، بالمجمل لدينا كثير من نقط التلاقي تساعدنا على تجاوز أي خلاف ، و لعل أهمها هو درجة الإحترام المتبادل بيننا ، خصوصا أن ظروفنا الأسرية ليست على مايرام .
وهذه النقطة بالذات جعلتنا غير متعجلين لإتمام الزواج ، بدى كما لو كانت هذه فكرة ناضجة ، رغم أنها ليست علامة جيدة على دوام الحب .
– أخشى الملل و التعود .
يضحك ملء فيه ويقول :
– سأظل أحبك حتى التسعين من عمرك .
أنستني كلمات وأفعال حسن كل همومي ، وأنستني الغني الذي يكمن لي في حفرة أمامها فخ نصبه بمهارة ، يعتقد أن ما بيني وبين حسن سيزول حتما بفعل الأيام ، كأنه يضمن دوام أي شيء .
14
السفر قطعة من العذاب ، مقولة صحيحة ، ولكن لنا فقط ، من يجهز عدة وعتاد سفر الأسرة لأوربا للإستمتاع بشواطئها وأسواقها ، والعودة محملين بما غلا وحلا من بضائعها .
أسبوعان من المعاناة ، تعليمات بالشراء والتنظيف ، كثير من الممنوعات وقليل من الحرية ، ستكون الحرية يوم إقلاع طائرتهم ، إسبوعا انعتاق من السخرة ، وقد تكونان فرصة للراحة وإستعادة نفسي مرة أخرى .
تزامنت أجازة حسن من شركته مع إجازتي ، فرصة جميلة جدا للقاء والخروج ، وبعلم أمي فأنا لا أفعل شيئا وأداريه ، أحب حسن وهو يحبني ، وهي تعلم ذلك .
– أعتقد أنها فرصة للإرتباط الرسمي بيننا ؟ لابد من دخول البيت من بابه ، فأنا لا أحب فعل ما أخجل منه .
ما أجملك يا حسن ، لم أشعر بكل هذا الجمال من قبل .
– سنختصر المراسم توفيرا للنفقات ، خاتم الخطوبة والعشاء في مطعم قريب ، ثم سهرة بأحد المسارح ، وقت جميل نقضيه معا هو الأفضل .
بساطة الفكرة وصدقها ترفعاني لقمة السعادة ، لمحت كل مظاهر السعادة والحزن يلمعان بعيون أمي ، ورغم الدمعة التي لم تداريها شعرت بالسعادة ، دعوت لأبي بالرحمة ، وتمنيت أن يكون سعيدا لسعادتي .
كأنما هي قطعة من غزل البنات ذابت أيام الإجازة بسرعة البرق ، طعم ومذاق الحب والحرية لايضاهيان ، أحاسيس صعب تعويضها ، العمل والتوتر والقلق والخوف الدائم من المستقبل ، هربت منها جميعا ، أمضع الثواني ببطء ، أخشى فوات لحظة لاتزيد من حبي لحسن ولحياتي القادمة معه .
رأيت الدنيا من حولي للمرة الأولى بهذه النظرة ، تلاشى الإحساس بقبح الحياة مع كل ضحكة خرجت من القلب ، لأول مرة أرى صحة أمي كأنها في الثلاثين .
15
سنوات عمرنا مجرد محطات لا ننتبه لها كثيرا ، مرحلة الشباب تظل هي الأكثر إثارة للإنسان ، النزق والمتعة فيها ، متفردة تجربة وشقاوة ، بكل المرات الأولى لنزواتنا وآثامنا ، لكننا نتذوق المتعة الحقيقية في ممارساتنا الجنونية .
ومن أسف أنني لم أعشها كما تمنيت ، حياتي كانت جافة ، على شمال السما كما يقولون ، عوضتني القراءة بحيوات أخرى كثيرة .
وصلت للخامسة والعشرين ، ونسيت مرحلة الشباب ، حتى وجدت حسن ، مناقشاتنا الفلسفية أوصلتنا لمرحلة منتصف العمر .
أيام ثقيلة كئيبة عصيبة ، أحاسيس متضاربة ، مشاعر سلبية وكره للحياة ذاتها ، تقلص عدد الأصدقاء رويدا رويدا ، يكبر الأبناء ومعهم تكبر همومهم ، تبدأ محاولات حياة الاستقلالية ، يعتري الفتور كل شيء ، كل العلاقات ، وكل الإهتمامات ، برغم التقدم في الوضع الوظيفي ، وإحتمالات زيادة الدخل والمردود المادي .
كثرة التفكير في المرحلة اللاحقة يثقل كاهلنا بكثير من الهواجس ، عن الفقد والإفتقاد ، ولا ينجو منها إلا من يتمسك بالحياة ، ويحياها كما ينبغي .
هل من سبيل إلى خروج جيد من هذه الحياة ؟ يبقى هذا السؤال هو الغذاء الروحي للإنسان ، إحساس بالتقصير الدائم مع كل يوم ينقص من العمر ، وصولا للمحطة الأخيرة لقطار العمر.
16
أنت ملاك ، فقط حينما تعمل في خدمتهم ، غير مسموح لك بالخطأ ، تظل بأعينهم رائعا طالما تؤدي ما يطلبونه على الوجه الأكمل .
تتحول لشيطان ، الطامة الكبرى حينما تخطيء ، أو تنتابك لحظات تعب وإرهاق ، يقذفك الكل حينها بكل شظايا الباطل ، تمسح تاريخك وتهين وجودك ذاته ، تلعن أصولك وتجردك من كل مكرمة كانت لك .
اليوم ولسبب تافه جدا كدت أفقد كل شيء ، ثمانية عيون يتطاير منها الشرر يحرقني حرقا .
حتى الوغد الذي يطاردني حبا انضم لأمه سليطة اللسان ، أسمعوني سيمفونية قباحة ورزالة لم أسمعها من قبل ، ولا حتى في حوارينا العشوائية .
كلما إنخرطت في الحياة أجدني بمنتصف نقطة البداية ، أدور في فلكها حتى أشعر بالدوار.
فقد الأشياء ، عنوان كبير يحتل جزء من عقلي ، ينتابني إحساس كئيب اليوم ، كأنني على وشك فقد الحياة ذاتها ، كلما نظرت للمرآة أسخر من هذه الأحاسيس .
أخشى أن نغفل أننا جزء من الحياة ، متجاهلين حقيقة وضعنا كتروس في ماكينتها الجبارة ، نفقد التمييز بين الصح والخطأ ، الحقيقي والمزيف .
ولا نفهم أوندرك كل هذه الأبعاد إلا بعد عمر طويل ، حينما نفاجئ بفقد الأشياء ، واحدة تلو الأخرى .
مع الأسف نكتشف وقتها أهمية هذه الأشياء التي تجاهلناها وذهبت لغير رجعة ، ولانشعر بقيمة الناس الجميلة إلا بعد رحيلهم ، كما يفعل الناس بتكريم المجيدين بحفلات التأبين .
لست أدري لم أكتب هذه الملاحظة ، برغم أنني لا أريد أن أستسلم لهذه الكآبة .
17
حفلة ما قبل السفر ، حفلة بعد الوصول ، ثنائية مرهقة لنا ، يا ليتها توقفت عند هذا الحد .
ما حدث ليلتها سبب حزني ومرضي ، خرجت من منزلهم لواقع اللاحياة ، فهل يمكن أن أنسى الإهانة وفقد الحبيب ومورد الرزق والصحة ، وفقط أضيف إلى همومي هم عدم مقدرتي على رؤية حسن .
كانت لحظة قاسية حينما رأيت أنني ومن أحب لابد أن نتقسم بين الإبنة والإبن .
كانت تعشقه ، أو حاولت أن تبدو كذلك ، لكن غريزة المرأة لدي تقول أنني سبب كل ذلك .
ليس بيدي أن خلقني الله أجمل منها ، ولا سلطان لحسن على قلبه ، فالحب من الله ، وهو ليس قرارا نتخذه بعد حسبة عقلية جدا .
وليس ذنبي أنني أحب حسن ، وليس لي يد في أن ابنهم يهيم بي ، هذا رغم كل العلاقات التي يتمرغ فيها بين الحسان .
قلت له أن هناك ألف امرأة تتمناك ، صرعني رده بأنه لا يريد إلا واحدة فقط هي أنا .
ولا يمكن لأحد أن يشعر بالتمزق الذي عانيته من يومها ، حاولت بكل سبيل رتق هذا الثقب في قلبي و لم أجد سببا واحدا يجبرني أن أخون حسن ، حتى لو كانت لقمة العيش ، وأمن وأمان أسرتي ، وحياة حسن أيضا .
طار جنونها حينما رأت الخاتم في إصبعي ، وراح طوفان حقدها يغرق قلبي ويحاول طمره تحت وطأة وعيدها.
لم يكن حسن بأسعد مني حالا ، ناله نصيب الأسد من التوبيخ والتلويح بسيف المعز وذهبه .
فيما ظللنا ثابتين على موقفنا ، توحدت إرادة الأبناء على انتزاعنا من حلمنا الواحد ، والوعد بأحلام لا يقبلها قلبي ولا قلب حسن .
كان الحفل فرصة لتصفية الحسابات بيننا ، أو قل صب سموم غلهم فينا ، كتم الغيظ وإرخاء حبال الصبر كانا ترفا لا نستطيعه ، لذا كانت المواجهة حتما مقضيا ..
18
بدأت المعركة بصوت عال ، وتبادل اتهامات بيننا جميعا ، سمعت أقذر ما يمكن أن يقال ، وفجأة ران الصمت على الجميع ، فقد سمعنا وقع أقدام سيدة القصر .
نظراتها كانت كفيلة بأن نؤجل كل نقاش حتى انتهاء الحفلة ، لازمني توتر وخوف وإحساس بأن كارثة ما سوف تحدث .
فيلم رعب مصري بنكهة شعبية جدا ، إنتقلنا فجأة لحارة برجوان في قلب القاهرة القديمة ، كل فرد في الأسرة خلع رداء الوقار والإحترام ، تاهت فساتين السواريه والردنجوت وسط البراقع والجلابيب البلدي .
سمعت كما يقولون ،، من المنقي خيار ،، وظهرت آثار شرشحة الحارة المصرية التي ولدت فيها الدكتورة ، ولم يخذلها زوجها وكال لنا ما يندى له جبين البشرية .
تطور النقاش ، وزادت حدة النار حينما رفع الإبن يده محاولا لطم حسن ، وتدخل الأب حينما لوى حسن يديه ، لطمات الوالد وكلماته ظلتا تتسابقان على وجه وأذني حسن ، ولكن كان حسن يدافع عن نفسه بشجاعة من لا يلوي على شيء .
توقفت المعركة حينما وجدنا قوة الشرطة تحيط بنا ، أنا وحسن ، كأننا مجرمين عتيدين ، ضحكات وتوعدات من الجميع بأن نكون وراء الشمس ونقضي باقي عمرنا بالسجن .
بكيت كما لم أبك من قبل ، وكان آخر ما سمعته قبل أن أغيب عن الوعي هو قول حسن ، خذوني أنا فقط ، فهي ليس لها دخل ولم تفعل شيئا .
19
فقدت الحلم ، الذي كان أنيسي من ظلام الأمس واليوم ، مجرد حلم بحياة بسيطة آمنة ، بيت بأربعة حيطان تسترنا ، بغد أفضل ، بمستقبل واضح المعالم لأبنائنا ، حلم أن نجد من يرد لنا كرامتنا و يمنع عنا الظلم .
قلبي الحنون أصبح هشا جدا ، تحول لعود حطب جاف ، كأنما تركته بأتون شمس حارقة لسنوات ، و اﻷبشع أن ينكسر قلبك ، في وجود من تستند عليه لرأب صدعك ، و يستمر بحبك و لا أمل لك بالتعافي .
هل جربت هذا الإحساس؟ جربه كثيرون ، لكن غالبية الناس لاينتبه له ، أو قد يتجاهلونه ، حالة من التيه ، كمن يسري بالصحراء ليال طويلة ، ثم يعود لنقطة البداية دوما عليل القلب والروح ، علاجه إما النسيان أو الجنون .
قتلتني فكرة الفقر القاتل ، مواجهة الغنى الفاحش لأمثالنا مستحيلة ، محاولات مستميتة للهرب بأي شكل ، فهم فضلوا الإنعزال بقلب الصحراء ، وأصبحت لنا نحن الفقراء خصوصية ومناطق تشبهنا ، رغم ذلك فرضنا وجودنا بحياتهم ، يحصروننا بالبقاء على حافة الحياة بالنسبة لهم ، وينكرون احتياجهم لنا كما نحتاج لهم .
أصابتهم فوبيا الحياة المعلبة بالفيلل و الكمباوندات ، والتوغل بعيدا عن عالمنا ، يتفننون في بناء الأسوار العالية حولهم ، يظنون أنهم بمنأى من الخطر ، ولذا تحدث الكارثة عند اقتحام هؤلاء الفقراء لحياة الأغنياء .
20
الحياة بالفيلا علمتني دروسا عصيبة ، اكتشفت أن الفقير أكثر قدرة على التحمل من الغني ، قد تستغرب هذه الملاحظة ، كثير من الأمثلة برهنت صدق الملاحظة ، أنت أحدهم وكل أهلنا الفقراء ، خاصة أبي وأمي .
هجا من الفقر المدقع المحيط بالعاصمة ، كانت نهاية شقاء خمس سنوات أن انحشرنا بشقة غرفتين وصالة في أحد عشوائياتها ، ثم مات أبي بريعان شبابه ، هدته كثرة العلل جسدية و نفسية فتفلت عمره ولم يشعر به يوما ، شده الإكتئاب لطريق لاعودة منه .
كان على أمي رعاية طفليها ونفسها ، لم تستسلم وكان طموحها لا حد له ، ذكاء غير عادي وسعي دؤوب على معيشتها ، تختلف تركيبتها عن أبي .
قسمت حياتها مراحل ، ولكل مرحلة طموحها ، وكلما نجحت في اجتياز مرحلة ، ترقى طموحها خطوة للوصول لما بعدها .
أما لو فشلت في تحقيق طموح مرحلة فتعيد الكرة بسرعة ، تشعرنا أنها لم تفشل ، فحياتنا لن تتأثر بهذا الفشل ، لديها دوما حائط تستند عليه ، كمن يحتمي بزاوية ضيقة يدافع عن نفسه فيها بسهولة ، تقول لي : مهما ضغطت الحياة على الفقير يظل قابعا بآخر مستوى وصل له ، وعليه ألا يبتعدعنه كثيرا ليتمكن من الصمود .
غالبية الفقراء هكذا ، ومن يعلو طموحه فجأة يتحول إلى وحش و يصل للغنى بأسرع وسيلة فاسدة .
أما الغني فهو غير قادر على تصور فقدان ميزاته التي تتراكم لتصنع جبلا من البديهيات التي لايتصورحياته بدونها ، والمصيبة لو ذهب الغنى عنه فجأة ، فتراه لايقو على مقاومة أنواء الحياة ، و يكافح لكي يحتمل معيشتنا .
أشعر دوما بتمزق ، فلم أحتمل مثل هذا الحديث الذي يحببنا في الفقر ، و لا أنكر كرهي لفاحش الغنى الذي يمارسونه بتفسخ أمامي طيلة الوقت.
21
الحلم قرين البنت ، يبدأ معها مبكرا ، حتى قبل بداية تعلم الحياة والوعي بقيمة ووجود الأشياء ذاتها ، فهو تعبير عن حب الأشياء وتقدير قيمتها.
ككل البنات حلمت بالفارس ، ظللت أنسج الحكايات وأصدقها بلحظات الحلم ، فتحملني لعوالم مليئة بالجمال مفروشة بالورد ، طال انتظاري للفارس ، تعيدني حقيقة الفقر وانطوائي على أحزااني لعالمي الذي قبعت زمنا فيه .
كنت أشعر بغرابة حينما تدعو أم لإبنتها أن يكون فلانا من نصيبها ، أو تدعو لإبنها أن تكون فلانة من نصيبه ، وأتساءل دوما طالما أنهم يحبون بعضهم البعض ، و لا ينقصهم وقتها إلا إتمام الزواج فما المشكلة إذن ؟ ليس ثمة مانع أمامهم .
وتلعب المفاجآت وتراتيب الأقدار لعبتها ، وبدون أسباب واضحة ينفصلون !
فهمت أخيرا أن هناك ما يسمى بالنصيب ، هذا الذي لايمكننا معرفة اتجاهاته ، فنجد له خططا وتصاريفا على غير ميولنا.
هذه التصاريف تجمع الشامي على المغربي ، حتى وإن ظنا ألا تلاقيا ، يحدث هذا دوما ، حتى لو كانوا مرتبطين بآخرين في مكان ما بعيدا .
معاييرنا في الإختيار تخضع لمنطق القلب والعقل أحيانا ، قد نقابل من هم على تمام مقاييسنا ، مظبوط بالمللي كما يقولون ، ولايمكنهم أن يكملوا المشوار معنا ، مهما اعتبرناهم مناسبين.
و قد نقابل آخرين نظن ألا نتلاقى في شيء قط ، و لا يجمعنا بهم ما يجعلنا نتمسك بهم ، ونكمل حياتنا ببساطة شديدة معهم ، كأنهم يمثلون الجزء الناقص فينا ، والذي يشبهنا بشكل أو بآخر، أو قد نوهم أنفسنا أن هذا الجزء هو ما كنا نبحث عنه ونحن لا ندري .
22
أكاد أختنق مكبلة بحبل لا أراه ، و لا أستطيع الفكاك منه ، بسجن كبير بلا جدران يجلدني فيه ضعفي بألف سوط تلهب روحي .
ظلم ، و ظلمات وقهر ، هم وغم جعلوني أقتات عليهم ، كأنما ألفت روحي ضعفها وهوانها ، اختفاء حسن من حياتي فجأة جعلني كالواقفة عارية خجلة وسط الجوعى ينهشون لحمها ، يغتصبون حلمها البسيط .
أسأل نفسي : هل أستحق كل ماحدث لي؟
فيما تأخذني سنة من النوم أرى فيها رحمة الله قريبة مني ، وأنها كانت كأراوح أتت من عند الله ، ظلت تناديني للانضمام لمجلس ذكرهم ، والذي قد تغشته سكينة و طمأنينة إفتقدتها منذ فقدتك يا حب عمري .
أعلم أن الله عادل جدا ، وأن النصيب لايسير ضد ما نحب ، فالقدر ليس في حرب معنا .
أوقن أن الله رتب لنا نصيبنا الأصلح و الأنسب ، لكن متى و أين و كيف فهي أسئلة تأتي إجاباتها في التوقيت الذي يريده الله .
كأن الحياة نفسها لغز فقط لاغير ، ومن الغباء أن نعتقد بضرورة أن نحل اللغز ، عبث السؤال و الإجابة أوصلاني للإستسلام التام لما حدث ، فلا ضرورة للفهم ، عقلي أصبح عبئا ضخما ، وما عدت أطيق ما يلقيه في نفسي من شكوك حول كل شيء .
وأسأل نفسي بعد كل رحلة فشل في الحصول على الإجابات : هل نلتقي مرة أخرى ، وهل تكون صدفة جميلة أن أقابله بعد كل هذا الوقت ؟
23
إنطفأت العيون من حولي ، فقدت لمعة كنت أحبها ، زاغت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر، صرت أشم رائحة الموت الكريه تعبق الأرجاء .
كأن الناس موتى يسيرون بأكفان من ملابس رثة ، الوجوه منهكة أخذ منها الفقر والمرض كل نبض حي، آثر الكل أكل لحوم بعضهم أحياء .
ترعبني المقولات المتناثرة هنا وهناك ، جوع كافر، خوف جاثم فوق صدر البشر .
الحقيقة أن الجوع كافر فعلا ، والخوف أكثر كفرا ، والنتاج الطبيعي لهذه المعادلة تحول الجميع لذئاب وعقبان .
عشت أنتظر تحقق النبوءة ، فعندما يحكم الجوع قبضته سنسمع حثيث الأفاعي .
كأنني أمثل فيلما طويلا مرعبا مؤلما ، يقيني أنه مستمر حتى بعد وفاتي ، خلطة عجيبة فشلت دراما العالم أن تصنع مثلها ، يملؤني إحساس بتمرد الحقيقة ، بل ورفضها العيش بهذا العالم .
قرأت قصة تقول أن العقل هرب منذ زمن سحيق ، و أنه لا يريد العودة ثانية رغم المغريات .
24
كأنما يعيد وضع قطع البازل في مكانها الصحيح ، أعاد لملمة نفسه مرة أخرى ، يعيد على عقله وقلبه كل ذكرياتهما معا ، ممنيا نفسه بلقاء يزيل ما بالقلب من هموم ، كان إنقطاع أخبارها مدة إعتقاله مجلبة للملوحة والمرار اللذان يملآن حلقه .
طرق الباب بوهن ، فتحت له أمها ، شعر بإنقباضة نهشت قلبه ، وجهها ينبيء بكثير من القلق ، لم تستطع أن تمسح علامات الحزن بتقاسيمها المتعبة .
جاء الإستقبال حزينا ، برغم آلاف الأسئلة تجمدت بعينيه ، لم يتلق إلا إجابة واحدة ممتزجة بنهر من الدموع ، البقاء لله ، ومذكراتها التي أوصت له بها دونا عن الجميع .
سادت فترة صمت كأنها دهر ، أدخلته غرفتها وأغلقت الباب ، وحيدا مع أفكاره وحزنه ومذكراتها .
يجول بالغرفة البائسة شكلا وموضوعا ، يتحسس فراشها وأدوات زينتها ، ملابسها مازالت كما هي ، رائحتها تفوح منها ، كأنما مسك لايزول .
كتاب مقلوب مفتوح على صفحة كانت تقرأها ، هاتفها الجوال مازال موصولا بالشاحن ، يتلقى رسائل تأتيها من شركة الإتصالات ، كل شيء يشي بأن صاحبته ستعود حالا .
مذهولا يخبط رأسه بالحائط ، فات أوان كل ذلك ، فلا قيمة لمراجعة رسائله لها بعدما سمح له بالتواصل ، مكالماته التي لم ترد عليها .
صورهما معا وصورها وحدها ، عشرات الصور والذكريات ، توقف فجأة أمام مايرى ، رباه ما كل هذا الألم المتجمد على وجهها ، عشرات الصور مؤرخة بكل ساعة ألم مرت بها .
وصل للنهاية مع آخر صورة لها قبل وفاتها بساعات ، كأن الملائكة تضحكها ، رغم أن عمرها بالصورة قارب المائة عام ، زهرة تجاوزت بالكاد الخامسة والعشرين ، زاد عمرها أربع مرات في ستة أشهر ، صرخ لاعنا الظلم ، ثم راح في إغماءة طالت حتى أيقظته أمها.
25
وحيدا حزينا مقهورا قررالتواري بعيدا ، يندب حظه ويشكو لله ممن ظلمهما ، يقرأ من النهاية :
“حواري كان دائما معي ، أستعيد متأملة ما كنت أفكر به ، ورد فعلى على ما مررت به خلال حياتي أتساءل : هل نحن صادقون قولا وفعلا ؟.
هو سؤال معروفة إجابته ، نحن كاذبون قولا واحدا ، فالحياة نفسها تبدو كذبة كبرى ، ففي لحظة ندخلها بلا إرادة منا ، والنهاية نخرج منها أيضا بلا تخطيط ، ودوما نقنع أنفسنا أننا نعيش ونمارس إرادتنا .
لكننا سنقول نعم نحن صادقون ، وحينها فقط سنكتشف بأننا كاذبون ، بلا أستثناء ، بعضنا بالفعل ، وبعضنا بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة.
نعم مؤلمة هي الحقيقة ، ولذا كلنا نحب الكذب ، بل نستمتع بحكايا الكاذبين ، و نستزيدهم بإلحاح ، رغم أننا نعرف أن كل ماقالوه محض خيال كاذب .
الخيال جميل جدا والحلم أجمل منه ، لكن الوهم هو أن نظن أنه ليس ثمة فارق بينهما . ندمن الكذب على أنفسنا ، فندور في فلك خطر لذيذ يوهمنا أنه يخفف وطأة واقعنا المرير، لا نكاد ننتهي من كذبة فنطلق عشر كذبات أخرى ، ونختزنهم بأقصى زوايا عقلنا الباطن ، لعلها تسلينا حينما تخنقنا الحقائق .
أعلم أنها الأنانية التي تدفعنا لنفاق أنفسنا ، ننكر الحقيقة ونقبل الكذب ، نعشق الحقيقة فقط عندما يتعلق الأمر بفضح الآخرين و الإنتقاص منهم ” .
26
يقلب الصفحة شغفا ودهشة ، يردد في نفسه : ما كل هذه الشفافية ؟ ويتابع :
” أنظر لنفسي بالمرآة فلا أعرفني ، هل كانت فترة الثمانية أشهر كفيلة أن تبعث في وجهي كل علامات الموت ، أشعر به يراقبني من فوهة بندقية صياد ماهر ، تترصد هذا الطائر الأخضر لمنعه من التحليق ، محذرة إياه من مغبة الطيران بلا أمان كي لا يقع فتكسر عنقه .
سألت نفسي هل أحب الموت؟.
نعم أحبه فلعله الحل الوحيد الآن ، أهلا به كزائر نبيل ، أتي يستأذن في أخذ روحي برحلة طويلة ، أحسه رفيقا جميلا لطريق لانهاية له .
رغم كل ما بي من ألم أشعر بنشوة كبيرة ، محلقة كطائر مزركش ببهيج الألوان ، يفرح بالحرية ، يوصلني الفرح لعنان السماء ، يملأ مسامعي غناؤه الجميل فيغمر نفسي نشوة وحبورا “.


