لا أحد منا أكثر محبة من المريد المجذوب، فهو نفسه يفتخر بتلك المحبة حين يذكر دعاء والد الشيخ رضي الله عنه، و عمنا بفائض بركاته. قال الشيخ والد الشيخ لأم المريد المجذوب: جعل الله ما في بطنك من المحبين. نذرته أمه و هو في بطنها لشيخها وشيخنا الولي الصالح، الشيخ الفاضل ابن شيخ الشيوخ وهو في مرحلة التربية الروحية للخلافة، نذرته له قبل أن ينام والده شيخ الشيوخ نومته التي لم يذكر له رجوع بعدها، نذرته له لتشفى من المرض الذي أصاب عينيها. كان المريد المجذوب لا يزال يواصل اهتزازه، وهو يتحدث إلينا عن شيخنا الولي الصالح حين سأله أحد المريدين:
ــ هلا قصصت علينا قصة الشيخ مع المريد الذي كان يموت بصحراء لا أنيس بها.
تحرك المريد المجذوب إلى الأمام، وهمس بصوت مسموع وهو يجيل عينيه بين وجوهنا.
ــ احذروا ..احذروا كامل الحذر أن يتفوه أحدكم بهذه القصة أمام المنكرين من الدعاة، فهم ألد أعداء طريقتنا.
لم نحتمل الكلمة، فقلنا بفم واحد:
ــ اتفُ..اتفُ ..الدعاة؟ اتفُ.
وعلق أحدنا في نهاية الجلبة:
ــ أعوذ بالله مما ابتلى به المنكرين من إنكار.
سكت المريد الأخير، وعم جو من الصمت لا يعكره سوى ترنيمات خافتة للمريد المجذوب بأبيات لأحد المريدين يمدح بها الشيخ، إلا أنه قطعها بسرعة حين أحس بإنصاتنا يستجديه، ليروي قصة الشيخ مع المريد الذي كان يموت بصحراء لا أنيس بها. قال المريد المجذوب وهو لا يزال يواصل اهتزازه: (( كان اليوم يوم طلوع ” الدبران ” و السموم تشوي الطيور الطائرة، ونحن جالسون مع الشيخ عند ضريح والده شيخ الشيوخ نفعنا الله بفائض بركته …))
لم نفوت الفرصة، فعمت الجلبة من جديد:
ــ آمين .. آمين .. اللهم آمين.
وسكتنا ليواصل المريد قصة الشيخ : (( وبينما نحن منهمكون في زيارة وسيلتنا وملاذنا، نهض الشيخ، و مشى باتجاه قربة الماء المعلقة تحت شجرة الزيارة، وملأ منها إبريقا كان بجانبها، و أخذ في تصويبه نحو الأسفل، و العجيب.. ولا عجب أن يفعلها الشيخ، هو أن الماء لم تقطر منه قطرة واحدة على الأرض… ))
سكت المريد المجذوب، وأخذ يتفحص وجوهنا ليعرف مدى وقع ما قاله علينا، فقرأ رحمة الله بادية، كما زاد سكوته توقنا لمعرفة باقي القصة، مع أنها لم تكن المرة الأولى التي يرويها فيها لنا، إلا أننا كنا نكثر السماع من أجل فيضة مرتقبة، كان الشيخ يتحدث عنها باسمرار.
((رفع الشيخ الإبريق ثم التفت إلينا مستبشرا وهو يقول:
ــ الحمد الله ..لقد نجا ..لقد نجا.
قمنا جميعا في اتجاهه ونحن نقول
ــ من ؟.. من يا شيخنا ؟
إلا أن الشيخ سكت، ثم أخذ يشق طريقه بيننا في اتجاه الضريح، كنا نعرف أن مكروها ما قد أصاب أحد المريدين ثم نجا، وإلا لماذا قال الشيخ لقد لقد نجا؟
ومضى ذلك الزمن، وجاء زمن آخر التقيت فيه ب…))
بدأت أرواحنا المتحدة بالذكر، مستعملة أفواهنا التي لا قيمة لها إلا بما تنطق تعبيرا عن القلوب العامرة ب: الله .. الله .. الله..
(( التقيت فيه بالمريد خادم الشيخ، و أخبرني أنه في أحد الأيام الماضية كان يسير بصحراء لا أنيس بها، حين أصابه العطش وكاد أن يودي بحياته، وبينما هو يصارع الموت، إذا بسيدنا ومولانا الشيخ الفاضل ابن شيخ الشيوخ، يجلسه ويسقيه ماء عذبا بإبريق في يده، ثم حمله على منكبه وذهب به إلى مكان آخر ثم غاب))
لا يحرك ألسنتنا إلا الذكر، الله .. الله .. الله .. نخفض به أصواتنا عندما يبدأ المريد المجذوب في سرد القصة، و نرفعها عندما يسكت، كنا نطمع أن يكون ذلك بداية للفيضة، فنهرنا المريد المجذوب بشدة :
ــ الفيضة بعد حين .. الفيضة بعد حين.
و أردف (( و لقد كان اليوم الذي كاد أن يموت فيه خادم الشيخ بصحراء لا أنيس بها، هو نفس اليوم الذي حصلت فيه حادثة الضريح))
أخذنا بالقول كل على حده:
ــ لا إله إلا الله محمد رسول الله
أردف المريد المجذوب:
ــ كرامات الشيخ لا تنتهي، فهو وحده الذي يأتيه الخضر عليه السلام، ليعلمه مما لم يسطع عليه موسى صبرا.
وفي اليوم الذي ظننا فيه سفاهة أن الشيخ قد غاب، صعدت روحه إلى السماء زيارة، تحدقناحوله نستمع للحديث مع الملائكة و الأنبياء و الصالحين، ونسينا غفر الله لنا شراب الشيخ.
أعدت إحدى الأمهات شرابا باردا، و آثرتني بالخير الوفير حين ناولتنيه لأسقي الشيخ.
ما إن وضعت القدح جانبا حتى رأيته يبتسم، ففرحت فرحا لا يوصف، لأنني أدخلت السرور على شيخي وهو في حضرة الملائكة و الأنبياء و الصالحين.
وفي المساء علت أصوات المريدين:
ــ الشيخ شرب من يد رسول الله ..الشيخ شرب من يد رسول الله.
ماذا؟ ألم يشرب الشيخ من يدي؟ ما تفسير هذا؟ هل في ذلك إشارة لي من الشيخ لم أفهمها؟ نعم يمكن أن يكون الأمر كذلك، ألم ينظر إلي مبتسما وهو في حضرة الملائكة و الأنبياء و الصالحين؟
نظر إلي المريد المجذوب بعينين واسعتين و جادتين، وبصوت قوي نهرني:
ــ سقاه بيديه وبك ..سقاه بيديه وبك.
أحسست بالعبرة تخنقني، و بالدموع تتجمع في عيني، ولساني ينتفض بالقول: الله .. الله .. الله
فقلت و الدموع قد بدأت تنهمر:
ــ هل هي إذن ….
كانت عيناه تجودان عليه بالدموع، حين قاطعني وهو يجهش بالبكاء:
ــ نعم، إنها هي ..إنها الفيضة، وإنك لأول المجذوبين.
ــ الله ..الله ..الله ….
- الفيضة
- التعليقات