يقترب من الأربعين عمرُه ، فارع الطول ، هادئ ، له (كاريزما ) ما أروعها ! صاحب حضور قوي فعَّال ، ذكي ، كريم ، شجاع ، مناضل ، يقرأ كل ما تقع عليه عينه ، يجيد أكثر من لغة قراءةً وكتابةً ، قرر أن يكون فيلسوفًا ويترك حياة العوام من البشر ويترفع عن الدنية .
، يؤمن تماما أن حياته ستنتهي يومًا ما ، وأن فراق الأحبة والآخرين لامناص منه ، فاستبق نفسه وجمح أهواء ذاته ليفوز بالآخرة ، فلن يسمح لنفسه أن يعبث بها أو بالأخرين ، قرر ألا يغتب أحدًا وكلما جلس بجوار قوم نهاهم عن الخوض في أعراض البشر ، لأنه يدرك تماما أن ذكر الأخرين بسوء سينقص منه ولن يزيده شيئا ، وأن من يتقول عليه بقول، لن يزيده إلا ضرًًّا ، ولا يسمح لأذنه أن تسمع لبعض المارقين عن القانون الإلهي ، وسوف يرتدي ملابسا رخيصة الثمن ، على اعتبار أن الحياة لاتساوي كل هذه المظاهر الكاذبة وهذا ليس بخلا ، بل نوعا من التكافل الإنساني ، فيقوم بشراء نفس الملابس ذاتها لأحد الفقراء ، فمساعدة المحتاج نهج ينتهجه وقيمة عظمى ومعتقد لامفر منه ، وأن العطاء دونما مقابل قمة الحب والسعادة الأبدية ، فعندما تداعب راحت يدُه شعيراتِ طفل يتيم يشعر بسعادة لا يضارعها أخرى حتى مسكنه المطل على النهر العتيق تركه ؛ ليسكن ما تبقى من عمره بجوار المقابر، وما إن وضع هذا المخطط ؛ ليسير عليه وأبناؤه فيما بعد مماته ، ومن تتلمذ على يديه أيضا إذ به يطل من ثقب بابه ؛ ليرى أرملة جاءت زائرة لزوجها المتوفي لبضع سنوات مضت ، امرأة في منتصف الثلاثين من عمرها ، زادها رداؤها الأسود جمالا ورونقا وبهاءً ، دنا منها عاطفًا عليها مكفكفًا دموعها ومخففًا عنها أوجاعها ، وطفلتين لها كان لهما ، نعم الأب والمعلم الناصح ، لكن في غفلة من الزمن ضاع مخططه الفلسفي ؛ بسبب نزوة عابرة ،ربماكان سببا فيها أو تلك الحسناء ذات الرداء الأسود.

أضف تعليقاً