كَتَبَتْ: أحبُّكَ..
فكتبْتُ: مهلاً! … ماذا كتبْتِ؟!… أعيدي؛ لم أقرأ جيّدًا!
كتبتْ ثانيةً: أحبّكَ… أحبّكَ… أحبّكَ…
فانفجرَ فيَّ عنفوان الرجل الشرقيّ، وتزاحمت في عقلي وخاطري آلاف الصور، وتواردت إلى ذهني كلّ الخواطر الظنّ والشكّ والريبة! هل تغيّر هذا الكون إلى هذا الحدّ؟! وهل انقلبت القيَم؟! هل هي بكامل عقلها؟! هل خرجتْ من عقال الصورة المؤَطّرة؟!
لعلها لم تؤتَ حظًّا من الجَمَال؟ أو لم تؤتَ حظًّا من الحظّ نفسِه؟ أو لعلها تريد أن توقعني في حبائلها؟ أو لعلها تريد أن تنالَ مني أو تظفرَ بي؟! أو لعلها رأتني صيدًا سهلًا؟ أو طمعتْ فيَّ؟ أو لعلها أحبّتْ فيَّ وسامتي وجمال صورتي وهيبتي؛ لكن أين رأتني؟!
مهلًا مرةً أخرى! أتظنّ نفسَكَ وحيدَ دهرِكَ وفريدَ عصركَ؟! أم تظنّ أنكَ قد نلتَ لديها حظوةً وحفاوةً؟! ولماذا تصيدُكَ أيّها السَّهْلُ؟! وماذا بكَ ليُطمَعَ فيه؛ بل ماذا لديكَ؟! فاعرفْ قدْرَكَ! والزَمْ صفَّكَ!
ظنونٌ وظنونٌ لعبتْ برأسي؛ فتصبّب العرق باردًا من عارِضيَّ وجبهتي! ليستْ تراني ولا تسمعني! ولا تجلس قبالتي فتغرقني بنظراتها؛ فلمَ أنا مضطرِب الأركان؟! ظنٌّ أخيرٌ راودني، بل غلبني! لا بدَّ أنها رجل يريد أن يلعبَ بمشاعري، يتقمّص شخصية فتاة، ويدغدغ عواطفي، سيطر هذا الخاطر عليَّ، وأقنعتُ نفسي به، وقرّرتُ بكلّ أوتيتُ من قوّة أن أردّ…
فكتبتُ: من أنتَ يا رجلُ؟! ماذا تريد مني؟!
فأجابتْ: ماذا؟! أنا رجل؟ أقول لك أحبّكَ، وتقول لي رجل؟!
كتبتُ: نعم، رجل! وشرير أيضًا!
فقالتْ: ههههههههههههه؛ كيف عرفتَ أني رجل؟!
فقلتُ بكلّ ثقة: هذا أمر لا يحتاج إلى تفكير!
فقالتْ: وكيف؟
قلتُ: كيف أصدق أن امرأةً شرقيةً يمكنها أن تقول لشخص لم ترَهُ ولم تعرفْهُ إلا قليلاً: أحبّكَ؟! كيف لها أن تخلع ثوبَ حيائها وتبوحَ بحبهاّ لرجل؟ وكيف لها أن تَخْرِقَ العادة وتعبّر عمّا في قلبها؟! أتريدين – إن كنتِ أنثى – أن تعكسي الآيةَ، وتبتذلينَ نفسَكِ؟ كيف تقبلينَ أن تبادري بذلك الأمر؟!
وتملّكني الاعتزاز بالنفس والزهوّ والغرور، وأدركتُ بأني انتصرتُ، وأني أنا الرجلُ الشرقيُّ الذي لا يُقْهَرُ، وتشجّعتُ لأسدّدَ الضربةَ القاصمةَ؛ فكتبتُ لها: مع السلامة..
وران صمت طويل بيننا، وأنا ألحظها: “جاري الكتابة”… . عشر دقائق استحالتْ دهرًا واضطرابًا! ثم جاءتْ رسالتها: “لقد جعلتَني أبكي عليكَ، وعلى نفسي، وعلى مجتمعي الظالم، وعلى العقول المظلمة، وعلى كلّ شيء. ماذا يضير امرأةً أن كانت تَحِسُّ أن تُعبِّرَ عن إحساسها؟! أليستْ من البشر؟! أليسَ لها قلبٌ وعقلٌ؟! أليستْ تُحِسُّ وتفهم؟! أم أنها كالأنعام؟!
أنت الرجلُ الشرقيُّ ذو العنفوان، تريد امرأة تمتّعُكَ؛ لكن لا تريد امرأةً تنادِدُكَ! تريد امرأةً تسعى أنتَ إليها وتتذلّل، وترفضُ امرأةً تسعى إليكَ، وتتّهِمُها بالابتذال. أنتَ لا تخشى أن أكون رجلاً، بل ترفضُ أن أكون أنثى.
إني أرثي لِحالِكَ يا باحثًا عن الحنان؛ لأنكَ لم تتعوّدْ أن تهبَكَ امرأةٌ إحساسًا بعد أمّكَ! تظنّ أن النساء بين طامعةٍ فيكَ، أو خائفةٍ منكَ، أو راجيةٍ عطفَكَ. فلتبقَ في فلَكِ غرورِكَ، وليُعميكَ زهوُكَ بنفسِكَ يا طاووسَ الخلائق.
… نعم، مَعَ السلامة، بلا لقاءٍ؛ لأني طرقتُ البابَ الخطأ؛ بل ليسَ ثمَّةَ بابٍ، إنه قِفْلٌ صَدِئٌ”.
سكتَتْ عصافيرُ رأسي عن الدوران، وأدركتُ لِوَهلةٍ أنني صَحَوْتُ من سَكْرَة، وأنني جاءتني الفَكْرَة؛ ولكنْ هيهاتَ هيهاتَ! لم أدْرِكْ معنى “أحِبُّكَ”!.

أضف تعليقاً