..تمكن التعب من أجسادهم، ومن أجساد حميرهم، وتغلب اليأس على ماعداه في نفوسهم، وأيقن معظمهم أنهم ساروا في الإتجاه الخطأ. لهذا وجدوا أنفسهم، مع إطلالة الشمس البكر بعيون فجر نهار آخر، على مشارف غابة غير متوقعة وليس واد كما في الخريطة التي يسترشد بها القائد.! فتصاعد الهمس، وصار كلاما واضحا أتاح للأسئلة المعلقة أن تنزل من مشاجبها على أكتاف تدافعه، مما جعل بعض الألسن الغاضبة والتي يؤججها شك متصاعد وثقة متآكلة تطاول شخص القائد وتساءل هويته هو الذي ظهر فجأة ولاأحد يعرف من هو ولا من أين جاء وإدعى أنه مبعوث العدالة السماوية نزل ليطهر الأرض من الغاصبين، بل ومِن الألسن مَن نحا به الشك المتأجج إلى إنكار مارُويَ عن معجزات تفتقتْ على يديه والإستغراب من كونهم صدقوا أنهم ذاهبين ليسطروا تاريخ نصر مبين ستخلده الأجيال بإسمهم في لوح محفوظ، وهم بصدور عارية على ظهور الحمير متكلين على معجزة المعجزات التي ستنفجر من يدي القائد المباركتين وتحول الأعداء رميما.! وقبل أن يتمكن الشك من النفوس وتنتصب الرؤوس لتضطرب الصفوف وينقلب السحر على الساحر، تدخل القائد وأمر بالتوقف عن المسير وإقامة معسكر مؤقت داخل الغابة بعيدا عن عيون الأعداء المترصدة، وتوزيع الماء بقدر متساو وباقتصاد تحسبا لنفاذه قبل بلوغ الواد على الأتباع والحمير ليُخمد تأجج العطش والأسئلة التي يلفحها الشك ولو إلى حين. وأسرع مخلفا وراءه سحابة من اللغط والنهيق إلى الخريطة ومدها أمامه من جديد. لكن الغابة لم تكن موجودة عليها، الأمر الذي أوحى للسان أن يقول:
-..والواد لن يكون موجودا على الأرض.!
وتساءل آخر:
– الغابة أخذت مكانه. ؟
بينما صاح ثالث:
-..والعطش.!؟
فغضب القائد، وخبط على الخريطة، وانفجر في وجه الجمع:
– معناه أننا سرنا في الإتجاه الخطأ.! ؟
وأضاف شاهرا سبابة متوعدة:
-كلا.! الخريطة مقدسة، والإتجاه لاريب فيه.!
فنط لسان قريب من القائد، وأعلن أنه يملك الكلام الفصل، وكشف عن مؤامرة الأعداء التي وضعت الغابة في طريقهم المقدس، بغية تضليلهم وزرع الشك في نفوسهم وبث نار الفتنة بينهم، وكي تُظهر لهم كذب الخريطة التي لايمكن أن تكذب، وكان لسانا كإسفنجة تشربتْ كل ماسبق من كلام عن سطح طبلة الأذن، لهذا صاح القائد متحمسا:
– نعم مؤامرة.. والواد موجود، أما الغابة فضَلال.!
وبادر فورا إلى إصدار أمره الذي لايقبل التأجيل بإحراق الغابة عن بُكرة أشجارها، كي تستقيم الخريطة، وانصرف إلى سرير أعد على عجل ليستريح، وبعد أن تخفف من ثيابه وتمدد حتى كاد أن يغفو، تذكر أنهم أقاموا معسكرهم داخل الغابة، فنهض مهرولا وخرج من خيمته، لكن ألسنة اللهب كانت تندفع من كل إتجاه.!
- القائد
- التعليقات