الرماد يزحف ، يكتسح كل شيء : المقاهي والمنتزهات والغرف المغلقة و المكاتب المكيفة و الملاهي و الشواطئ و الغابات و الساحات ، يجتاح المسام و الرئتين وشرايين القلب و خلايا الدماغ ، ينسف البدن و الروح و المال و المعنى و المنطق ، من هنا وهناك تتصاعد أدخنة سوداء كريهة الرائحة مكونة سحابا لا يمطر.
سلاح الموت يباع بالتقسيط في الأزقة و الدروب ، و بالجملة في الدكاكين و المتاجر الكبرى ، يعرض في علب جذابة من مختلف الأحجام و الأشكال و الألوان .
زبائن من كل الفئات و الطبقات و الأعمار: أثرياء ، فقراء ، علماء، مشردون ، شرفاء ، مجرمون ، مثقفون ، أميون ، مشاهير، معاقون …
لم ينج إبراهيم من هذا الزحف الجارف ، كان أستاذا يضرب به المثل في الجدية و النباهة الفكرية و نكران الذات ، ناهز الستين خريفا ، و منذ أن أحيل على التقاعد لم يبرح سريره إلا لقضاء حاجة ملحة ، إذ لم تعد رجلاه قادرتين على حمله .
في ذلك القفص الإسمنتي المعلق بالطابق الخامس من العمارة ، تؤنسه في وحدته ابنته فاطمة التي ترفل في ربيعها العشرين و كتبه ومجلاته و أوراقه و ملفاته و أسطواناته.
كان لا ينفك يدخن باستمرار ، تحول إلى كومة عظام يابسة ، أسنانه السوداء ، أو ما تبقى منها على الأرجح ، منخورة .
نادى ابنته ، لم تتوان في تلبية طلبه ، لثمت ظاهر كفه و جلست بجواره ، ناولته الدواء وكأس ماء ، ثم قالت بصوت يفيض رقة و عذوبة :
– أ لن تكف عن احتساء هذا السم الزعاف ، يا أبي ؟ لم تمتثل لتحذيرات الأطباء و لا لنصائح العلماء و الأصدقاء . هل يرضيك أن تتحول إلى مدخنة تلوث الجو و تخرب عناصر الحياة و سمات الجمال .
قبل أن يجيب ، أشعل الفتيل ، توهج وجهه الشاحب النحيل ، أغمض عينيه ، سحب نفسا عميقا ، انخرط في نوبة كحة جافة طويلة متتابعة ، هدأ قليلا ، ثم أردف قائلا :
– كلامهم سخيف ، و وصاياهم هراء ، لا تصدقيهم يا عزيزتي ، لدي مناعة قوية ، أستطيع بها أن أقاوم الأمراض و أواجه الآفات .
– خدعوك حينما قالوا إن التدخين يساعد على التركيز و يطور الذكاء ، و يمنح الطاقة و الكاريزما. هذه الأراجيف يروجها أرباب شركات التبغ ، أنتم زبناؤها و وقودها ، لا تهمهم صحتكم و لا سعادتكم بل ما يجنون من ربح وفير.
– حسبك هذا يا فاطمة يا ابنتي الحبيبة ، سئمت هذه السفسطة العقيمة ، أريد أن أنام.
أخذ يقلب علبة السجائر بين كفيه ، استرعت انتباهه جملة كتبت باللغة الفرنسية في الأسفل :Fumer tue ( التدخين يقتل (، أمعن فيها النظر كأنما يراها لأول مرة ، انفجر ضاحكا ، جحظت عيناه ، انتابه سعال حاد ، تنفس بصعوبة بالغة ، خارت قواه ، مال جانبا ، ثم لفظ أنفاسه .
صرخت ابنته و ناحت ، احتضنته و قد تبللت وجنتاها بدموع حارقة ، و هي تردد :
” انطلت عليك الحيلة يا مخدوع ، لمن ستتركني أنا اليتيمة ، لمن … ” .

أضف تعليقاً