كان العيد على العتبة، يستجمع قبضته ليدق الباب، معلنا القدوم. في الحقيقة ما كان هناك عيد واحد، بل أعياد بعدد العتبات والابواب في مقدمة المنازل، كما ليست كل العتبات أسارير منبسطة، بل بعضها عتمات على مدخل الظلام حيث الضوء عمشٌ لايتبين الأشياء، في عيون يسكنها غبار نهارات بلاشمس ! هكذا كان حال سعيد، الذي يعتبر نفسه مسمى يناقض الإسم، حيث تتخذ التعاسة من عمره طريقا لدوام دروب الألم وتنتعل حذاءا إسمه سعيد. لقد سماه والداه سعيدا، عله يعرف سعادة ماذاقا قط طعمها، لكن لسانه أيضا ضل طريقه إليها، حتى اعتقد أن السعادة فاكهة لاتنضج في الأرض حيث هو، كالأشجار التي تختلف من مكان الى ٱخر، إذ لايرى حوله سوى أشجار الشقاء سامقة تتوثب منها أشواك حادة لا تنسج ظلا. بل وماعاد يتطلع الى مرتبة السعادة، أو يفكر فيها حتى، لأنه كلما سأل نفسه عن معناها، إلا واكتشف أنه يطرح موضوعا لاوجود له، على الاقل في المكان حيث يعيش، كما أن ذاته لن تستطيع معرفة حال لاوجود له بالنسبة إليها. لهذا كان كل همه أن يخفف عن أولاده وقعَ وطإِ نعال التعاسة الهوجاء، التي يعرف معناها، ويكون جدارا يصد عن عيونهم البريئة قذى الغبار المتطاير من دوامتها المجنونة. وكان يتحمل الكثير الكثير لأجلهم، حتى أصبح يظن أن تحمله ذاك الذي يضاهي صبر الدواب، جعل الدنيا الظالمة تعتبره حمارا فتثقل له الحمل أكثر ! لم يجد جوابا مقنعا عن لماذا كان نصيبه أن يعيش في وضع دابة، يستريح على ظهرها الشقاءُ كي يواصل طريقه على مسافة جيل ٱخر. وكل الأجوبة التي كان يتدثر بها كملابس معنوية رثة، كانت أشبه بمسكنات تهدأ ألم السؤال للحظة. ورغم أنه كان يظهر الرضا عن نصيبه، فإنه كان يدرك أن القسمة، سواء في الارض او السماء، تمتْ بدونه، وأن رأيه لاقيمة له كزائدة دودية من نوع مختلف. لهذا كان يجد نفسه كل صباح دابةً تنتظرها أثقالُ نهارٍ ٱخر عند العتبة، وللرسن قرقعة لاتعني صباح الخير بأي حال من الأحوال؛ وفي المساء كان يعود مهدودا شاحبا، يعتصره ألم عميق، لأنه لايستطيع ان يوزع على أولاده سوى ابتسامة ذابلة ! وازداد الوضع تفاقما مع موجة الغلاء الشامل التي عمت البلد كالوباء، وبدتْ كقدر لاراد له سوى أن يسلم الناس أمرهم لضرباته، التي لاتكون بنفس الشدة والوقع المؤلم على الجميع، إذ الناس ليسوا سواسية في الدروع، وماكان لسعيد سوى درعَ ساعدٍ عاري، يحاول أن يصد الضربات عن وجهه ووجه الاسرة سواء، فكان كمن يصد ضربتين او أكثر بقفاز واحد. وبذاك الساعد رفع التحدي، في كل الاعمال الشاقة، سواء في الزراعة أو البناء، وكان يزعم لنفسه أنه على الاقل يعيش بشرف وكرامة، وأن عرقه حائط الصد في وجه أي مذلة ! لكنه أضحى يقف مشدوها في السوق، وهو يرى كيف يتسرب من كفه الخشن مدخول أسبوع شاق بسرعة قياسية، بعد أن استعرتْ شراهة الأسعار واتسعت أشداقها، فأضحت قيمة الأجرة الهزيلة أصلا لاتساوي أكثر من لقيمة سريعة الإبتلاع، وصار يشعر بقهر أكبر ومرارة أقسى ومذلة تنمو في ظله البائس يوما عن يوم، وماعاد العرق حائط صد حقيقي، بعد أن طالت سيقان الأسعار أكثر، وتقزم كل شيء أمامها، فأصبح يشعر بقطراته تتبخر سريعا فوق جلده المتصحر بتواتر. وأضحى كل همه أن يفتح كفه ذات يوم، ولايجد مشغلا يقبل أن يُسيل عرقه، لأنه ماعاد يتطلع الى الشبع، فمابالك بالتخمة، بل صارت عينه تلمح شبح الجوع خلف ظهر الغد. فكان يحاول أن يكتم الخوف الذي في عيونه عن عيون اولاده، وكان يتحمل أكثر فأكثر تعب الجسد وإرهاق الروح، كي يدرأ الأسوء، رغم شعوره بكونه يحارب وحده ولا أحد يغطي ظهره، كان يعذبه أكثر من مشاق العمل، إذ كان يدرك أن زوجته قد أفسدها التلفاز والمظاهر الخداعة، بحيث لاتتردد في التبجح والتباهي والتفاخر أمام جاراتها، ولو كذبا وادعاءا. وهذا ماكان يصطدم كل مرة بحقيقة واقعهم الإجتماعي، فيسقطها من علياء الخيال والوهم، لكنها كانت ترفض أن تفتح عينها، وكانت تفتح بدلها فمها بوابل من رذاذ الغضب تمطر به وجه سعيد، وتعيره بأقرانه كأنهم في النعيم يسبحون أجمعين، ولاتقيم أي اعتبار لما يتحمله من مشاق كي يصد أيادي الفقر والحاجة عن أسرته، فكان يشعر بتعاسة ثقيلة، وهو يرى إسمه يُخرج له لسانه شامتا ! كما كان يشفق على أولاده أن يروه يوما يضرب أمهم أمامهم، لأنها تجره حقا الى فعل ذلك ذات مرة، فبعض النساء يستدعين المعاملة العنيفة كفعل ممارس عليهن يستدعي ردود أفعال في سيكولوجية التطهير والتعويض والعزاء، كمن يستثير الظلم في حقه ليعيد اجترار وضعية وخطاب المظلومية، ربما سعيد ماكان ليفهم هذا تماما، لكنه كان يدرك لو أنه سمح لنفسه بضربها، فإن قبضته ستفلت منه لتستحضر كل الاشياء التي كان قد رٱها تستحق الضرب ولم يضربها، لتضغط الضربة الواحدة في شدة قوتها ضربات عدة، كان يجب أن تتوزع بالتقسيط، في مواقف مختلفة ! وكان يستغرب كيف لازال هناك من يستدعي الضرب والعنف، ويغتسل من سطل القسوة. كما كان يستغرب الشرخ الهائل الذي يستشعره بين رؤوس الرجال ورؤوس النساء في دواره، كأنها لم تنم في عائلات متشابهة، وتتعلم عن طريق لغة واحدة، عدا أنها تواجه ظروف حياة متماثلة. فعين المرأة ليست كعين الرجل، والدنيا ليست بينهما متطابقة، إذ الذي يرى من داخل الدار ليس كالذي يرى من خارجها، وفي الباب يلتقي مايفترق. فالرجل يدخل الى الدار المواد والوسائل والادوات، والمرأة تطبخها وتتبلها وتفرش لها غطاءا مزوقا على مائدة قوائمها قد لاتكون دائما بطول الاماني، لتخرجها في صورة مشتهاة تثير جمر الحسد بين الجارات وتقدح نارا بين الجيران تحت تبن العلاقات اليومية. وحين تكون المواد التي يدخلها الزوج لاتناسب الصورة التي تريد أن تخرجها بها الزوجة، كطحين ذو جودة رديئة لايصنع خبزا يحمّر وجه خابزته، حيث الخبز لايملأ البطن فحسب بل يلون أيضا، عندها تحترق الخبزة في الفرن وقد تحترق معها الأصابع ! لهذا كان يتساءل عن الصورة التي في خيالِ رأس زوجته، هي التي من عائلة فقيرة، صورة لاتتناسب وواقعهم الحياتي ولادخلهم المالي، يتساءل عن مصدرها، فينتهي الى صب اللعنات على التلفاز والجارات، ويلقي اللوم على الكهرباء لأن مصابيحها عُلقت في أكواخ عمياء ! لذلك ظل للحظات يكاد لايستوعب مايخرج من فم زوجته، وهي ترسم صورة متخيلة لكيف تريد ان تبدو هي والأولاد والكبش المذبوح يوم العيد، صورة لايتناسب طول قرون كبشها مع قرون الخروف الذي بالكاد استطاع شراءه، وكم كان فرحا لذلك لأنه يعلم أن غيره لم يستطع ذلك، لكن ماكان في خيال زوجته كان كبشا بقرون ملتوية، ربما كانت قد رأته في التلفاز أو مدّ في قرونه خيالُ إحدى الجارات، لهذا ماكانت تنطق الخروف حتى، بل كانت تصيح كمن يردد تهمة:
– خريريف، خريريف، خريريف…!
وهذا بعد أن وقفت أمامه فجاة، لما عاد من العمل متعبا لايريد غير الجلوس على الارض، حيث كان قد اغتسل وتمدد امام التلفاز دون ان يطلب منها أي شيء، وألقتْ، في غضب ودون سابق إنذار، بالكسوة التي كان قد اشتراها لها مع كسوة الأولاد ودون أن يهتم بالشراء لنفسه، في اتجاهه، معتبرة تلك الكسوة مجرد خرقة تجلب العار امام الجارات ولونها كالح كوجهه، وكانت تصيح:
– شرويطة، شرويطة، شرويطة…!
ثم تقفز بلسانها، ويداها على خصرها كأنها تتحفز للعراك الجسدي أيضا:
– فلانة وفلانة وفلانة…
…..
– فلان وفلان وفلان…!
فيحاول سعيد أن يكبح الغضب في أعصابه التي تصبح مشدودة أكثر فأكثر كالزناد، فيرد عليها بصوت يميل الى الهدوء:
– فلان لباس عليه !
فترد بنزق:
– وأنت مالك مالباس عليك ؟
– المهم عايش مستور !
– عايش فالذل !
– وعلاش قبلتي تزوجيني، ماخبيت عليك حتى حاجة !؟
– حسبتك راجل !
– راني راجل، عايش بعرقي !
– شوف اسيادك، أ الشْماتة !
– ولعني الشيطان !
– أنتَ الشيطان !
– أنتِ يمكن حمقى !
– أنتَ الاحمق !
ثم هجمت عليه، في نوبة غضب حاد، لتضربه بعصا المكنسة، وما عاد يسمع سوى:
– خريريف، شرويطة،خريريف، شرويطة..!
فقفز واقفا، وأمسك بها في غضب شديد، ورفعها عن الارض، وهو يهم بخلط وجهها مع الجدار. لكن الصراخ الذي علا من حناجر أولاده وهم يتعلقون بأقدامه، جعله يمتنع في اللحظة الأخيرة. فأفلتها من قبضته الخانقة، وارتدى حذاءه مسرعا، ثم غادر الدار، دون ان يلقي على أولاده نظرة، أو يتفوه بكلمة !
- القرون
- التعليقات


