إنه زمن الشعر البسيط بامتياز، زمن الهايكو، والمقطوعات، والتغريدات الخاطفة، زمن المقولة الضاحة، فيما المطولات إلى الرفوف والغبار.. صحيح انني مع هذه المقولة التي لا يمل صديقنا الشاعر محمد عُضيمة يُرددها من غربته في طوكيو – اليابان، غير أن الصحيح أيضاً؛ إن سرد حكاية شعرية ضمن تكثيفٍ شديد لنص لا يتجاوز عدد كلماته الخمسين مُفردة، وأحياناً يتم تكثيف ذلك بعشر كلمات. ليس أمراً جديداً في الثقافة العربية، فعلى مدى السرد العربي؛ ظهر الكثير من “قصارى القول”. لكن مع انتصاف العقد الأخير من القرن العشرين؛ ظهر أكثر من كتاب أراد أن يُقعّد لهذا الشكل الإبداعي الماكر الذي يمسك بطرف خيط من إبداعات كثيرة سواء من الإبداع السردي، وحتى البصري. رغم شدّة تكثيفه، وأظن هنا كان التحدّي في كتابته لكنه يقول بما يفوق حجم النص بكثير، والطريف في الأمر أنّ الكتب التي صدرت خلال عقد التسعينات تُنظّر للقصة القصيرة، وتضع لها القواعد سرعان ما تجاوزتها النصوص التي صدرت منذ العقد الأول من الألفية الثالثة وحتى اليوم، مؤكداً هذا النوع الأدبي الذي ورغم إن له جذوره العتيقة في مسيرة السرد العربي، غير أن ما يُقدّم من نصوص تكاد تُفارق ما قد قُيل فيما سبق، سواء في بنية النص أو في شواغله وحتى في جمالياته.
من هنا يستحيل أن يوضع لهذا النوع الإبداعي شروطاً وقواعد حاسمة، وإنما ثمة ملامح يبني عليها عمارته السردية، تُمايزه عن مشابهاته من النصوص القصيرة في الشعر والأمثال والطرفة والخاطرة، فقد تحتوي القصة القصيرة جداً كل ذلك، لكنها ليست أياً منهم. هي نص اجتمعت لبنائه أكثر من تقنية تُساعد في تكثيفه دون أن تختزله أو تُلخصه، وإنما تعطيه مدىً واسعاً حتى ليبدو النص عالماً مُتكاملاً ولا يحتمل أي مفردة إضافية. ميزته التكثيف الشديد دون تقزيم لجماليات النص أو مقولاته، يدخل بعيداً في المجاز والتأويل ويقوم على الحكائية والحدث، وينتهي بخواتيم غاية في الإدهاش، وله استخداماته من البلاغة المُضادة التي تقوم على المُفارقات والانزياحات والتنصيص وغير ذلك.
هكذا تبلور فن القصة القصيرة كجنس إبداعي احتار النقاد من أين كانت جهته، البعض لايزال يعتبره أحد أشكال القصة القصيرة وأنواعها، وآخرون يعتبرونه شكلاً من أشكال تطور القول الشعري، والحقيقة هو خلاصة الاثنين معاً في اتجاه ثالث يقوم على تقنيات التكثيف في الكتابة؛ أمسى له كتابه المعروفين اليوم، ويصدر من نتاج هذا النوع الإبداعي الكثير من المجموعات القصصية.
تبدو سمة الإبداع، على مدى عقدين من الزمن؛ هي النصوص القصيرة، لاسيما في الشعر والقصة ا، وحتى في اللوحة التشكيلية والفيلم السينمائي.. غير أنه وحتى وصل النص القصير إلى هذا المستوى من التكثيف؛ كان قد مرّ بالكثير من التحولات والانعطافات، وبالكثير من الركود أحياناً، والتسارع طوراً..
لم يعد الزمن يتحمّل الكثير من هدر السرد، وأن تُقدّم “بيت القصيد” أمسى اليوم نوعاً من التحدّي الإبداعي.. فلن تجد قارئاً -هو من الندرة بمكان منذ البداية- يملك صبراً ليُقلب الكثير من الصفحات، ولن تجد قارئاً أبداً ينتظر “البقية التي تأتي لاحقاً” إنه عصر الإيماض، وإبداع الومضة.. غير أنه ورغم سمة هذا الزمن الإبداعي التكثيف، غير أنه لا يعني السماح بتقديم النصوص المبتورة والمُقزّمة، فالنص الجدير بالقراءة؛ هو النص المُكثف الكامل الملامح، وليس المُختزل، أو التلطي خلف الاختزال بحجة التكثيف، وشتّان ما بين التكثيف والاختزال.. التكثيف الذي يعني فيما يعنيه تقديم القيم الإبداعية ودفعةً واحدة وبدون تفصيل أو إطالة، أمّا الاختزال فلا يعني غير الهراء والتعمية.
محنة كُتّاب النصوص القصيرة اليوم؛ هي في إتباع قواعد المنظرين الذي ينصحون مريديهم بتقديم النص الذي يبدأه الكاتب، ويكمله أو يُتممه القارئ، باعتبار القارئ شريك في كتابة النص.. مثل هذه الدعوة تبدو في منتهى العبثية، بل إنها مدعاة للتهكم، فالقارئ لا يُمكن أن يكون شريكاً في كتابة النص، وذلك لأكثر من سبب؛ أولاً: القارئ هو من الندرة في العالم العربي، وأحياناً، هو غير متوفر، ثانياً: ليس لدي القارئ الوقت ليُكمل نصاً أو يتممه، وهذه ليست من مهامه أو مطلوب منه في كل الأحوال.. قد يكون القارئ مؤلفاُ ثانياً للنص وليس شريكاً في إتمامه، مؤلفٌ ثانٍ بمعنى التأويل والقراءة التي تكون مُخالفة لما رمى إليه المؤلف الأساسي..
إذن: قدّم نصك مُكثفاً وكاملاً دون تعمية، أو مبتوراً بحجة الاختزال أو النص الناقص الذي نتركه للقارئ ليُكمله، أو يُتممه، لأن مثل هذا “التأليف” لا يعني سوى الخذلان !! محنة القصة القصيرة جداً في “الفعل الماضي” الذي يختزل القصة في ثلاثة أو أربعة أفعال لتقدم تجريد قصصي باهت..